بقلم : جمال حشاد
القاهرة – مع حلول شهر رمضان، تتبدل ملامح الحياة اليومية في مصر، ويظهر وجه خاص للشهر الكريم يمتزج فيه الديني بالاجتماعي، والروحاني بالاحتفالي. لا يقتصر رمضان على الصيام والعبادات فحسب، بل يتحول إلى موسم ثقافي وشعبي غني بالظواهر والعادات التي تشكل جزءًا أصيلًا من الهوية المصرية.
منذ الأيام الأخيرة لشهر شعبان، تبدأ الشوارع في ارتداء حلّتها الرمضانية. تتدلى الزينات الملونة بين البنايات، وتنتشر سلاسل الأنوار، وتُكتب عبارات التهاني على اللافتات والأقمشة. في الأحياء الشعبية والراقية على السواء، تتحول عملية تعليق الزينة إلى نشاط جماعي يشارك فيه الأطفال والشباب، في مشهد يعكس روح التعاون والفرح باستقبال الشهر.
ويظل الفانوس أحد أبرز رموز رمضان في مصر. هذه الأيقونة التراثية التي تعود جذورها إلى قرون مضت، ما زالت تحتفظ بمكانتها رغم تطور أشكالها. فبين الفوانيس التقليدية المصنوعة من النحاس والزجاج الملون، وتلك الحديثة التي تصدر الألحان والأغاني، يبقى الفانوس حاضرًا في يد طفل يردد الأغاني الرمضانية، أو معلقًا على شرفة منزل.
ويشير باعة الفوانيس إلى أن الإقبال يتزايد سنويًا، خاصة مع تنوع الأسعار والتصاميم.
في ساعات الليل المتأخرة، يظهر صوت مألوف يعيد إلى الأذهان ذاكرة زمن جميل: المسحراتي. بطبلته وندائه التقليدي، يجوب الأزقة قبل الفجر لإيقاظ الناس للسحور. ورغم تغير أنماط الحياة واعتماد كثيرين على المنبهات الإلكترونية، فإن حضور المسحراتي لا يزال يلقى ترحيبًا في بعض المناطق، بوصفه جزءًا من التراث الشعبي الذي يضفي على ليالي رمضان طابعًا خاصًا.
ومن الظواهر الاجتماعية الراسخة، تنتشر موائد الرحمن في الشوارع والساحات. تمتد الطاولات قبيل أذان المغرب، ويجلس حولها الصائمون من مختلف الفئات. تعكس هذه الموائد قيم الكرم والتكافل، حيث يتطوع أفراد وجمعيات لتقديم وجبات الإفطار للمحتاجين وعابري السبيل. ويؤكد منظمو هذه المبادرات أن الهدف يتجاوز إطعام الصائمين، ليصل إلى تعزيز روح المشاركة والتراحم.
اقتصاديًا، يشهد الشهر حركة نشطة، خاصة في قطاع الأغذية والحلويات. تزدحم محال الكنافة والقطايف قبل الإفطار، بينما تواصل الأسواق عملها حتى ساعات متأخرة من الليل. ويلاحظ التجار زيادة الطلب على المنتجات الرمضانية، رغم التحديات الاقتصادية، ما يعكس حرص الأسر على الحفاظ على طقوس الشهر.
أما بعد الإفطار، فتبدأ طقوس من نوع آخر داخل البيوت المصرية. تجتمع الأسر حول شاشات التلفزيون لمتابعة الدراما الرمضانية، التي أصبحت تقليدًا سنويًا ينتظره الجمهور. تقدم المسلسلات مزيجًا من الترفيه ومناقشة القضايا الاجتماعية، وتتصدر النقاشات اليومية في المقاهي ووسائل التواصل الاجتماعي.
ثقافيًا، تحتفظ بعض المناطق بطابعها الاحتفالي الخاص. ففي الأحياء التاريخية، تمتزج الأجواء الرمضانية بصوت المدائح الدينية والإنشاد، بينما تستضيف مراكز ثقافية حفلات وفعاليات تعيد إحياء الفنون التراثية المرتبطة بالشهر الكريم.
اجتماعيًا، يعيد رمضان تشكيل إيقاع العلاقات الإنسانية. تتكثف الزيارات العائلية، وتزداد الدعوات للإفطار والسحور، وتصبح التجمعات الليلية فرصة للتواصل. حتى وتيرة الحياة العملية تتغير، إذ تُعدل مواعيد العمل، وتتحول ساعات الليل إلى وقت للنشاط الاجتماعي.
ورغم الحداثة والتغيرات السريعة في نمط الحياة، تظل الظواهر الرمضانية في مصر صامدة. هي ليست مجرد مظاهر احتفالية، بل انعكاس لذاكرة جماعية وقيم متوارثة. بين زينة الشوارع، وأغاني الفانوس، ونداء المسحراتي، وموائد الرحمن، يعيش المصريون رمضان كحالة خاصة تجمع بين الإيمان والبهجة.
وفي النهاية، يبقى رمضان في مصر تجربة تتجاوز الطقس الديني، لتصبح مشهدًا اجتماعيًا وثقافيًا متكاملًا، يؤكد قدرة المجتمع على الحفاظ على تراثه، وتجديد طقوسه، وصناعة الفرح في قلب الحياة اليومية.
