بقلم : م. سمير المطيعي
في مساءٍ من أمسيات حي شبرا العتيق، كان الطفل الصغير ذو السنوات القليلة يجلس في بلكونة جدته في الدور الأول. فسورها العريض كان بمثابة مقعده الصغير، يطل منه على الشارع المضاء بكثير من لمبات الزينه الملونة وأضواء براقة تنبعث من الكلوبات التي تشتعل بالكيروسين تنير الشارع كله. تلك الليلة لم تكن كسابقاتها؛ فقد امتلأ الشارع بحركة غير مألوفة، أصوات دفوف، طبول تُدق بإيقاع متواصل، ورجال يرتدون الجلابيب البيضاء والملونة يتمايلون يمينًا ويسارًا، وأعلام خضراء ترفرف في الهواء.
نام الطفل وهو يتأمل المشهد بعينين صغيرتين مثقلتين بالدهشة. لكنه حين فتح عينيه، وجد نفسه وقد انزلق من سور البلكونة او قل لقد قفز من عالم الحلم إلى قلب الاحتفال بالشارع . لم يعد في بلكونة جدته، بل وجد نفسه يقف بين مجموعة من الصبية الذين يبدون أكثر ألفة بالمشهد. اقترب منهم بحذر، فابتسم أحدهم قائلاً:
“استنى معانا… الأكل جاي كمان شوية.”
جلس معهم على السجاد والحصير المفروش أرضًا، يتابع باندهاش الألوان المتراقصة والأصوات التي تختر أذنيه من مكبرات الصوت . لم يفهم معنى التمايل ولا سر الدفوف، لكنه شعر أن في الأمر سرًا كبيرًا، سرًّا يعرفه الكبار والأطفال الذين سبق أن حضروا مثل هذه الليالي.
وما هي إلا لحظات حتى خرج الطعام. صوانٍ متوسطة الحجم دُفعت تجاههم، تفوح منها رائحة الفتة بالعيش البلدي المغموسة في شربة اللحم الساخنة. مدّ يده بخجل أولاً، ثم بتشجيع من باقي الاطفال انغمس في الأكل كأنه يعرف الطقس منذ زمن.
على الجهة الأخرى من الشارع، جلس الرجال أمام صوانٍ كبيرة، يتبادلون اللقم والأحاديث والابتسامات. وبعد أن انتهى الأطفال من طعامهم، عاد الرجال مجددًا ومعهم صينية أخرى مليئة بأرزٍ أبيض غُمر باللبن الحلو. انبهر الطفل، وتذوق حلاوة لا تنسى، امتزجت في ذاكرته بصوت الطبول ووميض الأضواء
في تلك الليلة، لم يفهم الطفل ما هو “الذكر”، ولا لماذا يهتز الرجال يمينًا ويسارًا، لكنه أدرك أن الحي كله، مسلمين وأقباطًا، يتشاركون فرحًا واحدًا، ووليمة واحدة، وروحًا لا تُنسى. بقي المشهد عالقًا في ذاكرته، كأول مرة يكتشف فيها سر احتفالات شبرا… سر دفء الناس حين يجتمعون.
والي لقاء آخر مع احتفالات الاقباط في شبرا
سمير المطيعي
