قصة قصيرة
بقلم د نادي شلقامي
في قلب القاهرة، حيث يلتقي عبق التاريخ بشموخ الحاضر، تتكشف أسرار العشق الخالد. بين جنبات المتحف المصري الكبير، الصرح الذي يضم كنوز الحضارة وروح الأجداد، خطت الأقدار لقصة حب تفوق حدود الزمان والمكان. هي حكاية “همسة حب بين أروقة التاريخ”، قصة أمجد وحنان، مهندس وفنانة، جمعهما شغف مشترك بالجمال العتيق، وفرقهما صخب الحياة، ليعيدهما القدر مرة أخرى إلى حيث بدأت الحكاية، ليثبتا أن بعض القلوب تحتفظ بوهجها رغم عاديات السنين.
بدأت القصة في بهو فندق فاخر بالقاهرة، حيث كان أمجد، المهندس المعماري الشغوف بالتاريخ، ينتظر بفارغ الصبر بدء الجولة المصحوبة بمرشد سياحي إلى المتحف المصري الكبير (GEM) الذي كان قيد الافتتاح الجزئي آنذاك. انضمت إليه حنان، الفنانة التشكيلية الهادئة ذات النظرة الثاقبة، التي كانت تحمل دفتراً للرسم وعينيها تلمعان بترقب. لم يكن لقاءً مدبراً، بل جمعتهما مقاعد حافلة الرحلة، وبدأ الحديث عفوياً عن الحضارة والجمال.
وصلت المجموعة إلى المتحف، ذلك الصرح الزجاجي والخرساني المهيب الذي يطل على أهرامات الجيزة. داخل قاعات العرض المضاءة بخفوت والمزينة بالتحف التي تعود لآلاف السنين، بدأت تتشابك خيوط قصة أخرى. كانت حنان تتوقف طويلاً أمام تمثال الملك رمسيس الثاني الضخم، وأمجد يشرح لها بعمق عن تقنيات البناء وحجم الإنجاز.
داخل قاعة كنوز توت عنخ آمون، وفي ظل انعكاس بريق القناع الذهبي، التفت أمجد نحو حنان ليخبرها معلومة غابت عن المرشد، فوجد عينيها معلقتين به بتركيز لم يسبق له مثيل. تلك النظرة كانت همسة حب أولى صامتة، قوية كصدمة كهربائية.
قضيا باقي اليوم كأنهما الوحيدان في المتحف. كانت كل قطعة أثرية شاهداً صامتاً على قصة بدأت للتو. انتهت الرحلة بتبادل الأرقام ووعد بلقاء قريب. المتحف المصري الكبير لم يكن مجرد وجهة، بل كان نقطة انطلاق لقصة حب أسطورية.
اشتعلت شرارة الحب بين أمجد وحنان بسرعة. كانت لقاءاتهم تدور حول الفن والعمارة والتاريخ، وكأن المتحف بروحه العريقة قد زرع فيهما جذوراً قوية. لكن الحياة، بطبيعتها المتقلبة، لم ترحم.
أمجد تلقى عرض عمل مغرياً ومشروعاً ضخماً يتطلب سفره المتكرر لسنوات إلى دولة أوروبية. في الوقت ذاته، واجهت حنان ظروفاً عائلية صعبة ومسؤوليات مالية أثقلت كاهلها، مما أجبرها على التفرغ التام للعمل ورعاية أسرتها.
على الرغم من مقاومتهما، بدأت المسافات المادية والضغوط الحياتية تخنق الاتصال الروحي بينهما. المكالمات أصبحت نادرة، الرسائل قصيرة ومرهقة، والفجوة تتسع.
في مكالمة هاتفية أخيرة، يغلب فيها الإرهاق على الشوق، قررا بصمت مؤلم أن يتركا كل منهما الآخر يواجه مصيره، تاركين خلفهما ذكريات محفورة في قلب القاهرة وفي رحاب المتحف.
مرت سنوات. تزوج أمجد من سيدة أخرى بناءً على ترتيبات عائلية في الخارج، واستقرت حنان في عملها الفني الذي بدأ يزدهر، لكنها لم تجد في أي علاقة أخرى الشغف الذي عاشته بين أروقة المتحف.
بعد عشر سنوات، وبعد أن هدأت عواصف الحياة، عاد أمجد إلى القاهرة بشكل دائم، مطلقاً ومرهقاً من سنوات الغربة والزواج غير الناجح. تصادف أن المتحف المصري الكبير افتتح بشكل كامل وعالمي، وكان أمجد مدعواً لحضور مؤتمر معماري ضخم هناك.
في صباح يوم ربيعي هادئ، دخل أمجد إلى المتحف. المشهد لم يتغير كثيراً، لكن إحساسه كان مختلفاً. عندما وصل إلى قاعة عرض توت عنخ آمون، توقف قلبه.
كانت حنان هناك! تقف أمام نفس القناع الذهبي، وقد ارتسمت على ملامحها نضارة التجربة وعمق الزمن، ولكن نظرة الشوق والحنين لم تختفِ من عينيها. كانت هناك لحضور معرض فني لأعمالها المستوحاة من كنوز المتحف.
التقت العيون. عشر سنوات من الألم والشوق ذابت في لحظة واحدة.
“حنان…” همس أمجد بصوت خافت وكأنه يخاف أن يتلاشى الحلم.
“أمجد…” ردت وهي تمسك دفتراً قديماً للرسم، كان هدية منه في رحلتهما الأولى.
اجتمعا كغريبين يربطهما تاريخ طويل. جلسا في المقهى الهادئ بالمتحف. تبادلا قصص العقد الماضي، كانت قصصاً مليئة بالفراق والإرهاق، لكنها لم تخلُ من الأمل. أدركا أن المتحف لم يكن مجرد مكان للقاء، بل كان شاهداً على قصة لم تكتمل، وكأنه احتفظ بأرواحهما مع الآثار.
”هل تذكرين همستكِ أمام تمثال رمسيس؟” سأل أمجد.
ابتسمت حنان: “وكيف لي أن أنسى النظرة التي أضفتها على جمال قناع توت عنخ آمون؟”
أدرك كلاهما أن القدر لم يجمع بينهما مرتين في هذا المكان تحديداً من قبيل الصدفة. فالمتحف، الذي يضم تاريخ آلاف السنين، كان يذكرهما بأن الحب الحقيقي قوي بما يكفي ليصمد أمام اختبار الزمن.
لم يضيعا وقتاً آخر. استأنفا القصة من حيث توقفت، ناضجين، وأكثر وعياً بقيمة الوقت والشخص المناسب.
بعد أشهر قليلة، وفي حفل صغير وأنيق أقيم على شرفة تطل على المتحف المصري الكبير، حيث بدأت قصتهما، وقف أمجد وحنان يداً بيد. كانا يعلمان أن قصة حبهما لن تُنسى أبداً، فقد كتبها القدر بين أروقة التاريخ.
وهكذا، لم يكن المتحف المصري الكبير مجرد معلم سياحي، بل أصبح فصلاً جديداً في كتاب حياتهما، شاهداً على أن بعض الحكايات لا تنتهي، بل تتوقف لالتقاط الأنفاس ثم تستكمل مسيرتها. فعلى شرفته المطلة على الصرح العظيم، حيث بدأت همسة حب بين الآثار، أقسم أمجد وحنان على حب أبدي، حب حفر اسمه بأحرف من نور بين أروقة التاريخ، ليصبحا جزءاً لا يتجزأ من عظمة المكان الذي جمع قلبيهما.
