بقلم السيد عيد
في ركنٍ هادئ من المطبخ، يقف مجّ النسكافيه كأنه حارسٌ لصباحٍ لم يأتِ بعد. ثابتٌ في مكانه، لكنه يحمل في داخله كل احتمالات اليوم؛ الفرح، الإرهاق، الأفكار التي تزاحم الرأس، والأحلام التي تنتظر رشفة أولى لتستيقظ.
تلتقطه يدك كل صباح كأن بينكما عهدًا غير مكتوب. تهزّه قليلًا، وتسمع تلك الهمسة الخفيفة لحبيبات النسكافيه وهي تتدحرج داخله، كأنها تقول: “أنا هنا… لا تقلق، سنبدأ اليوم سويًا.”
ثم يأتي الماء الساخن، ينساب مثل خيط نور يوقظ الحكاية، ويرتفع البخار كأن المجّ يتنفس، ينفث كل ما اختزنته الأيام من تعب.
ومع أول رشفة، يعود العالم إلى حجمه الطبيعي.
يستقيم المزاج، وتبدأ الأفكار في الطفو ببطء… فكرة عن عمل مؤجَّل، أخرى عن صديق ابتعد، وثالثة عن حلم قديم ما زال يصرّ على البقاء رغم كل شيء.
الغريب أن هذا المجّ البسيط يعرفك أكثر مما يظن الناس؛ هو أول من يسمع تنهّدك الصباحي، وأول من يشهد صمتك قبل أن تبدأ ضوضاء النهار.
ربما تراه مجرد وعاء سيراميك، لكن داخله يتكوّن عالمٌ صغير…
عالمٌ من الهدوء والدفء، من الاستعادة والبداية، من الطقوس التي تقول لك دون كلمات: ما زال بإمكانك المحاولة.
وحين تُنهي قهوتك، وتضع المجّ جانبًا، يظل واقفًا على الطاولة كمن أدّى مهمته بشرف.
لا يطلب شيئًا، ولا يحتجّ على تعبك، ولا يضجر من استدعائه كل صباح.
كل ما يريده هو أن يعود إليك غدًا… ليُخبرك مرة أخرى أن البدايات الصغيرة هي التي تنقذ أيامًا كاملة.
هكذا يصبح مجّ النسكافيه ليس مجرد جزء من صباحك، بل صديقًا يعرف أسرارك الصامتة، ويرافقك دون أن يتكلم…
ويذكّرك دائمًا أن الدفء الحقيقي ليس في القهوة، بل في لحظة السكون التي تشرب فيها الحياة جرعةً جرعة.
