بقلم د.نادي شلقامي
فيروز.. أيقونة الطفولة…
المعجزة في السينما المصرية …
(1943 – 2016)
— يمر الزمن، وتتغير الأجيال، لكن صورة الطفلة الموهوبة خفيفة الظل، ذات الرقصات البارعة والصوت العذب، تظل محفورة في ذاكرة السينما العربية. إنها فيروز، أو “الطفلة المعجزة”، التي وُلدت باسم بيروز آرتين كالفيان عام 1943، وتركت بصمة لا تُمحى خلال سنوات قليلة من عمرها الفني القصير. ورغم رحيلها عن دنيانا في 30 يناير 2016، تظل ذكراها وعطاؤها مادة “حديثة” لا تنضب لكل من يبحث عن قصة نجومية استثنائية.
— ميلاد موهبة تحت الأضواء
وُلدت فيروز في القاهرة لأسرة ذات أصول أرمينية، وكانت الشقيقة الكبرى للفنانة الكبيرة نيللي. بدأت قصتها مع الفن في وقت مبكر جدًا، بفضل عين الفنان الكوميدي إلياس مؤدب، صديق العائلة، الذي اكتشف موهبتها الفذة في الرقص والغناء خلال الأمسيات المنزلية.
–لم يكتفِ مؤدب باكتشافها، بل قام بتأليف وتلحين مونولوج خاص لها، وقدمها في الحفلات المنزلية، حتى اصطحبها إلى ملهى الأوبيرج الليلي للمشاركة في مسابقة مواهب. هناك، وفي عرضها الأول، خطفت فيروز الأضواء وحصدت إعجاب الجمهور والنقاد، بل ويُروى أن الملك فاروق نفسه شاهدها وأعجب بها ومنحها مكافأة مالية.
— التبني الفني لـ “صانع النجوم” أنور وجدي
كانت النقلة النوعية في حياة فيروز بلقائها مع فنان شامل وصانع نجوم بامتياز، هو أنور وجدي. أعجب وجدي بموهبتها الاستعراضية والتمثيلية والغنائية الفريدة، وتبنّاها فنيًا، بل واختار لها اسم فيروز، ليصبح علامتها الفنية الخالدة.
–تولت “الطفلة المعجزة” بطولة أفلامه التي قام بإنتاجها وإخراجها وتمثيلها، لتصبح نجمة شباك غير عادية في طفولتها. كان أول أعمالها فيلم “ياسمين” (1950)، ثم توالت النجاحات الصارخة التي رسخت مكانتها كأشهر طفلة في تاريخ السينما المصرية، ومن أبرزها:
— “فيروز هانم” (1951)
–“دهب” (1953) (الذي عُرضت فيه أغنيتها الشهيرة “معانا ريال”)
— “عصافير الجنة” (1955)
كانت فيروز تنافس في نجوميتها أشهر نجمات عصرها، وتنبأ لها الجميع بمستقبل فني لا حدود له.
— الاعتزال المفاجئ والابتعاد عن الأضواء
في ذروة تألقها، وبعد أن قدمت حوالي 10 أفلام في فترة وجيزة، قررت فيروز الاعتزال بشكل مفاجئ عام 1959، وهي لم تتجاوز الـ 16 عامًا. كان فيلم “بفكر في اللي ناسيني” هو آخر أعمالها.
تباينت التفسيرات حول قرار الاعتزال المبكر، لكنها غالبًا ما ترجع إلى التقدم في السن وتغير الملامح، وهو ما يصعب معه استمرارها في أدوار الطفلة، خاصة بعد وفاة مكتشفها وداعمها الأكبر أنور وجدي. البعض أرجع السبب أيضًا إلى زواجها.
–تزوجت فيروز من الفنان بدر الدين جمجوم، الذي تعرفت عليه أثناء عملها مع “فرقة إسماعيل ياسين” المسرحية. تزوجا بعد اعتزالها بفترة قصيرة، وأنجبا ابنين هما أيمن وإيمان. عاشت فيروز حياة زوجية هادئة بعيدًا عن الأضواء امتدت لأكثر من ثلاثين عامًا حتى وفاة زوجها عام 1992، مكرسة حياتها لبيتها وأسرتها.
— التكريم والرحيل الخالد
رغم ابتعادها عن الساحة الفنية، لم ينسَ الجمهور فيروز، ولم تنسَها المؤسسات الفنية. كان ظهورها الأخير الذي لا يُنسى عندما تم تكريمها في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2001، حيث استقبلها الجمهور بحفاوة بالغة، تأكيدًا على مكانتها الأسطورية.
— عانت فيروز في سنواتها الأخيرة من مشاكل صحية في الكلى والكبد، إلى أن رحلت عن عالمنا في 30 يناير 2016، عن عمر ناهز 72 عامًا.
— معلومة للتاريخ…
أقام أبناء فيروز عزاءها في مسجد الحامدية الشاذلية في المهندسين، رغم كونها مسيحية، ودفنت في مدافن الأرمن المسيحيين. وقد بررت نقابة المهن التمثيلية ذلك بأن أبناءها مسلمون، ليظل هذا الجدل جزءًا من قصتها، مؤكدًا على التسامح والوحدة الفنية التي عاشتها فيروز في المجتمع المصري.
–فيروز، الطفلة التي لم تُكمل عقدين من عمرها في الفن، لكنها تركت إرثًا بصريًا وصوتيًا يضاهي مسيرة عقود طويلة من النجوم. ستظل ابتسامتها البريئة ورقصاتها الحيوية وكلمات أغانيها المرحة “معانا ريال” و “يا بلطي يا مقلية” خالدة في تاريخ السينما، لتؤكد أن الإبداع لا يُقاس بالسنوات، بل بالأثر الذي يتركه في قلوب الجماهير.
