بقلم د.نادي شلقامي
يشهد المشهد الإعلامي والرقمي ثورة غير مسبوقة، حيث بات المؤثرون والكُتاب والصحفيون والبلوجرز واليوتيوبرز قوة دافعة قادرة على تشكيل الرأي العام وتوجيه البوصلة المجتمعية. ومع هذا النفوذ الهائل تأتي مسؤولية مضاعفة. إن العلاقة بين صناع المحتوى والدولة هي علاقة توازن دقيقة: فالدولة تحتاج إلى إعلام مستنير وداعم لخطط التنمية، وصانع المحتوى يحتاج إلى بيئة من الاستقرار والحرية المسؤولة لمواصلة عمله. يثير هذا التفاعل السؤال الأهم: كيف يمكن لهذه الفئات المؤثرة أن تحافظ على “سند الدولة” لها، مع تجنب التعدي على “الخطوط الحمراء” التي قد تودي بهم إلى “المحظور”؟ هذا التقرير يستعرض الاستراتيجيات والضوابط التي تضمن تفاعلاً إيجابياً وبنّاءً.
الموضوع: إستراتيجيات التوازن بين التأثير والمسؤولية.
المحور الأول…..ضمان استمرارية الدعم الحكومي وتجنب الوقوع في فخ المخالفات القانونية أو الوطنية، تتبع هذه الفئات المؤثرة عدة نقاط أساسية:
أولا…. الالتزام بالثوابت الوطنية العليا:
1- وحدة الدولة وسيادتها:
يُعد المساس بوحدة التراب الوطني أو الدعوة إلى أي شكل من أشكال التقسيم أو التفرقة من أبرز المحظورات.
2- الأمن القومي:
يتجنب المؤثرون نشر أو تداول أي معلومات قد تُشكل خطراً على الأمن القومي، سواء كانت عسكرية، استخباراتية، أو معلومات حساسة تخص البنية التحتية للدولة.
3- الهوية الجامعة:
يركزون على تعزيز الهوية الوطنية الجامعة ونبذ كل ما يدعو إلى الكراهية أو الطائفية أو العنصرية بين مكونات المجتمع.
ثانيا….ميثاق الشرف المهني والرقابة الذاتية:
1- المصداقية والتحقق (Fact-Checking):
يعتمد الصحفي واليوتيوبر المحترف على التحقق من صحة المعلومات قبل النشر، خاصةً فيما يتعلق بالإحصائيات أو القرارات الحكومية، لتجنب نشر الشائعات التي تضر بثقة الجمهور في مؤسسات الدولة.
2- النقد البنّاء لا التشهير:
يتم توجيه النقد لأداء المؤسسات أو المسؤولين بهدف الإصلاح والتحسين، مع الابتعاد عن التشهير الشخصي أو استخدام لغة تحريضية أو مسيئة تهدف إلى هدم الثقة.
3- الشفافية في التمويل:
يجب على البلوجرز والمؤثرين الإفصاح عن أي محتوى مدفوع أو تعاون مع جهات أجنبية، لضمان عدم وجود أجندات خفية تتعارض مع المصالح الوطنية.
ثالثا.. تبني خطاب التنمية والإيجابية:
1- تسليط الضوء على الإنجازات:
لا يقتصر دورهم على النقد، بل يتعداه إلى إبراز المشاريع التنموية والإنجازات الاقتصادية والاجتماعية التي تحققها الدولة، مما يعزز الشعور بالفخر والوطنية.
2- التوعية بالقوانين والسياسات:
يساهمون في تبسيط وشرح القرارات والتشريعات الجديدة للجمهور، مما يُحسن من فهم المواطنين لدور الحكومة ويقلل من الاحتكاك والرفض غير المبرر.
3- دعم الحملات الرسمية:
يشاركون بفاعلية في الحملات الوطنية المتعلقة بالصحة، التعليم، الحفاظ على البيئة، أو مكافحة الفساد، ليكونوا شريكاً في المسؤولية المجتمعية.
رابعا… فهم الحدود القانونية واللوائح التنظيمية:
1- قوانين الجرائم الإلكترونية:
يتوجب عليهم الإلمام التام بقوانين مكافحة الجرائم الإلكترونية والتشهير، لتجنب الوقوع تحت طائلة القانون عند التعليق أو النشر.
2- احترام الخصوصية:
يجب الفصل بين النقد العام واحترام الحياة الخاصة للأفراد والمسؤولين.
3- التعامل بحكمة مع القضايا الإقليمية:
عند تناول القضايا الخارجية، يلتزمون بالخطاب الرسمي للدولة وموقفها الدبلوماسي لضمان عدم إحداث توترات غير مقصودة في العلاقات الدولية.
المحور الثاني…. عواقب ومخاطر تعدي صناع المحتوى على “الخطوط الحمراء” في مصر
تنقسم العواقب إلى ثلاثة نوافذ رئيسية: قانونية، ومهنية/اقتصادية، ومجتمعية/شخصية.
أولا…. العواقب والمخاطر القانونية المباشرة
تعتبر مصر من الدول التي أصدرت تشريعات صارمة لضبط المحتوى الرقمي والإعلامي، أبرزها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات (قانون الجرائم الإلكترونية)، وقانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.
1- المساس بالأمن القومي والدولة:
أ- التهمة: نشر معلومات أو تقارير أو مستندات غير مصرح بنشرها أو تداولها، وكان من شأنها الإضرار بمصالح الدولة أو الإساءة إلى سمعتها أو هيبتها أو مكانتها.
ب-العقوبة: قد تصل إلى السجن المؤقت، وغرامات مالية كبيرة، خاصةً إذا وقعت الجريمة على شبكة معلوماتية تخص الدولة أو تُدار بمعرفتها.
ج-المثال: تداول معلومات عسكرية، أو معلومات حساسة تتعلق بالسياسات الخارجية، أو التشكيك في ثوابت الدولة بطريقة تحريضية.
2. جرائم المحتوى الهابط والمنافِي للآداب العامة:
أ- التهمة: نشر محتوى خادش للحياء، أو منافٍ للآداب العامة، أو الترويج للفسق والفجور على منصات التواصل (وهو ما استهدف العديد من التيك توكرز والبلوجرز).
ب- العقوبة: الحبس لمدد متفاوتة (قد تصل إلى ثلاث سنوات أو أكثر)، وغرامة مالية.
ج-المثال: مقاطع الفيديو التي تعتمد على الابتذال للحصول على مشاهدات، أو التي تروج لصور نمطية سلبية ومخلة بالقيم.
3- جرائم السب والقذف والتشهير الإلكتروني (المادة 25 من قانون تقنية المعلومات):
أ- التهمة: التعمد في استخدام شبكة معلوماتية أو وسيلة تقنية معلومات لانتهاك حرمة الحياة الخاصة للغير، أو نشر أخبار كاذبة بقصد التشهير، أو المساس بالاعتبار والشرف (وهو ما يشمل النقد اللاذع والاتهامات غير المدعومة لأي شخص، بما في ذلك المسؤولين).
ب- العقوبة: الحبس والغرامة المالية. وتشدد العقوبة إذا تكرر الفعل.
4- نشر الشائعات والأخبار الكاذبة (التضليل):
أ- التهمة: تعمد نشر أو إذاعة أخبار أو بيانات كاذبة أو شائعات عن قصد الإضرار بالمصلحة العامة أو إثارة الفزع والهلع بين الناس.
ب- العقوبة: الحبس لمدد لا تقل عن سنة، وغرامة كبيرة، وتتضاعف في حال النشر خلال فترة الأزمات أو الكوارث.
5. التحريض وإثارة الفتنة:
1- التهمة: الدعوة إلى التجمعات غير المرخصة، أو التحريض على العنف، أو نشر خطاب الكراهية الذي يثير الفتن الطائفية أو الإقليمية في المجتمع المصري.
ب- العقوبة: تصل إلى الحبس لمدد طويلة وغرامات ضخمة.
المحور الثاني : العواقب المهنية والاقتصادية
حتى لو لم تترتب عواقب قضائية مباشرة، فإن تجاوز الخطوط الحمراء يترتب عليه أضرار مهنية واقتصادية جسيمة:
1- إلغاء الترخيص والحجب:
أ- للصحفيين والكتاب: قد يتعرضون لفقدان عضوية نقابة الصحفيين أو منعهم من النشر.
ب- لليوتيوبرز والبلوجرز: يمتلك المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام صلاحية حجب المواقع والحسابات الشخصية إذا تمادى صانع المحتوى في المخالفات، مما يوقف مصدر دخله بالكامل.
2- قطع مصادر الدخل (الـ Monetization): المنصات نفسها (YouTube, TikTok, Instagram) قد تقرر إزالة خاصية تحقيق الدخل (Ads) من المحتوى المخالف لـ “إرشادات المجتمع” الخاصة بها، والتي غالبًا ما تتوافق مع القوانين المحلية في قضايا التحريض والكراهية.
3- فقدان التعاقدات الإعلانية: العلامات التجارية الكبرى تتجنب بشكل قاطع التعاقد مع مؤثرين عليهم قضايا قانونية أو يقدمون محتوى “جدليًا سلبيًا” يضر بصورة العلامة التجارية.
4- العزل المهني: يتم تهميش الصحفي أو الكاتب في المؤسسات الإعلامية الرسمية أو الكبرى، وفقدان المصادر الحكومية للمعلومات.
المحور الثالث: العواقب المجتمعية والشخصية
هذه العواقب تؤثر على سمعة صانع المحتوى ومستقبله الاجتماعي:
1- فقدان المصداقية والجمهور: يتحول صانع المحتوى من “صوت مؤثر” إلى “شخص مثير للمشاكل” أو “مخالف للقانون” في نظر جزء كبير من الجمهور، مما يؤدي إلى فقدان قاعدة المتابعين التي هي رأس ماله.
2- الوصم الاجتماعي: في قضايا الآداب العامة والمحتوى الهابط، يتعرض صانع المحتوى للوصم الاجتماعي الشديد الذي يطال سمعته وعائلته، وقد يرافقه هذا الوصم حتى بعد انتهاء فترة العقوبة.
3- التكاليف النفسية والمالية للدفاع: الدخول في دوامة البلاغات والتحقيقات والقضايا الجنائية يتطلب تكاليف محاماة ضخمة، وجهداً نفسياً هائلاً، وعرقلة للحياة الشخصية والمهنية.
إن العلاقة المثالية بين المؤثرين والإعلاميين والدولة هي علاقة “شراكة في المسؤولية” وليست علاقة “صراع أو تبعية”. عندما يتخذ صانع المحتوى من المصلحة الوطنية بوصلته الأساسية، ويعتمد على الأخلاق المهنية والمسؤولية الذاتية كأطر حاكمة لعمله، فإنه يتحول من مجرد مؤثر إلى “شريك إستراتيجي” في بناء الوعي وتحقيق التنمية. إن مفتاح “سند الدولة” يكمن في إثبات هذه الفئات لجدارتها بأن تكون صوتاً عاقلاً وبنّاءً، يضيء الطريق ولا يُشعل الحرائق، مع إدراك أن “الخطوط الحمراء” هي في جوهرها ضوابط لحماية المجتمع من الفوضى، لا قمع لحرية الرأي.
