بقلم السيد عيد
بينما أجلس على مكتبي، وحيدًا مع ظلال الليل التي تسللّت عبر نافذتي، أراقب انسكاب الضوء الخافت على صفحات دفترٍ قديم، وأشعر بوزن صمتٍ يملأ الغرفة، صمتٍ يطوقني من كل جانب كأنه قيد غير مرئي. في تلك اللحظات، تخرج الكلمات من بين طيّات روحي، لكنها تبقى أسيرة في صدري، لا تجد مجالًا للهرب، لا تجد من يسمعها سوى صمتٍ أعمق.
في صمتٍ يثقل الأجواء، ويُخيم على أركان الروح، أنا ذاك الكائن المغمور بين ظلال السكون، لا أملك سوى صمتٍ مطبقٍ يُقضّ مضاجع الوقت ويغزل من الخفاء ثوبًا من العزلة. صمتٌ ليس كسائر الأصوات التي تغادر الحلقات، بل هو صمتُ قلبٍ يخفي خلفه لهيبًا من الحكايات التي لم تُروَ، وأحلامًا تُدفن في أعماق الصمت.
أنا لستُ سوى ذلك الصوت الذي لا يُسمع، ذلك الهمس الذي يُبتلع قبل أن يخرج إلى النور، كلماتٌ تهيم في العتمة، تتراقص كأشباحٍ منحنية على حافة الذاكرة، لا تجد طريقًا إلى فمٍ ينطق بها، ولا شفاه تجرؤ على إطلاقها.
كل كلمةٍ فيّ، كانت زهرةً ذابلةً في بستان الوحدة، كل كلمةٍ ضاعت في متاهة الألم، أو تاهت بين ثنايا الخوف، أو ربما سكنت عتبة العجز عن التعبير. كلماتٌ لم تولد بعد، لكنها تسكنني كنبضٍ خافتٍ في العروق، ترقص على إيقاع غيابها.
صمتي ليس فراغًا، بل هو حُجرٌ ثمين يُحفظ فيه سرُّ روحي، وعبقُ لحظاتي الضائعة، وأسرارُ وجعي وأملي. صمتٌ يُعلّمني كيف يُقال بلا كلام، وكيف تُكتب الحروف على صفحة القلب بلا حبرٍ يُراه الآخرون.
وكلماتي التي لم تُقال، هي قصائدٌ تُهمس بها أنفاسي حينما يتعذر عليّ التعبير، هي نغماتٌ تَسكن بين خطوط الألم، ترتجف تحت ثقل الصمت لكنها لا تموت. ربما، في هذا العدم الظاهر، تولد الحقيقة؛ حقيقة أن الصمت في أحيان كثيرة أبلغ من الكلمات، وأن الكلمات غير المنطوقة أصدق من تلك المنطوقة.
أنا ذلك الذي لا يُرى في زحام الكلام، ولا يُسمع في ضجيج الأصوات. أنا ذاك الصمت العميق، ذاك الصدى الخافت الذي ينبض بين ثنايا القلب، هو وحده يعرفُ ما فيّ من أسرارٍ، وهو وحده يحتفظُ بعبق الكلمات التي تُحبس خلف أقفاص الصمت.
فهل هناك أجمل من لغة لا تُقال؟ وهل هناك أصدق من لحظة صمتٍ تُخبر أكثر مما يملك الكلام؟
أنا لستُ شيئًا سوى صمتٍ مطبق، وكلماتٍ لا تُقال… وربما في هذا الصمت تكمن الروح، وفي تلك الكلمات التي لم تُقال تكمن حياتي.
