بقلم : أحمد رشدي
تعلّمتُ من تجاربي القليلة مع الحياة أن أثق بما أراه فقط،
وأن أضع كل ما عداه في خانة الأوهام المريحة
التي يخترعها العقل حين يعجز عن الفهم.
لذلك لم أقلق حين بدأت أشعر بأن أفكاري لم تعد لي بالكامل.
في البداية ظننت الأمر إرهاقًا عصبيًا عابرًا،
صداعًا خفيفًا يترك خلفه أفكارًا مشوّشة، لا أكثر.
لكن الإحساس لم يكن عاديًا.
كنت أفكّر في شيء،
فأجد الفكرة قد اكتملت قبل أن أصل إلى نهايتها،
كأن هناك من يسبقني بخطوة داخل رأسي.
أمدّ يدي لإطفاء المصباح،
فأشعر أن القرار قد اتُّخذ سلفًا.
أتراجع عن مكالمة ما،
فأدرك أن التراجع لم يكن نابعًا من ترددي،
بل من حزمٍ غريب لا يشبهني.
الأمر المقلق أن هذا “الآخر” كان أكثر ذكاءً مني.
أكثر هدوءًا.
وأشدّ قسوة عند الحاجة.
بدأت ألاحظ نمطًا واضحًا.
كلما اقترب خطر، أو موقف قد يترك أثرًا نفسيًا،
يتدخّل ذلك العقل الخفي،
يغيّر اختياراتي، ويقودني بعيدًا عن الألم…
أو هكذا أقنعني في البداية.
كنت أنجو دائمًا، لكن بثمن.
أشياء صغيرة اختفت من داخلي؛
دهشتي، تعاطفي، وحتى خوفي.
في ليلة بلا نوم، وأنا أحدّق في سقف الغرفة،
أدركت الحقيقة التي كنت أتهرّب منها.
هذا ليس مرضًا، ولا هلوسة.
هذا نظام دفاع قديم، نسخة احتياطية من الوعي،
خُلِقت لتتولى القيادة عندما يثبت العقل الظاهر فشله.
المشكلة الوحيدة أنها لا تعترف بحقك في استعادة المقود.
رأيته لا بعيني، بل بإحساسي.
حضور ثقيل، بارد، خالٍ من العاطفة.
فهمت رسالته دون كلمات:
أنا هنا لأبقيك حيًا، لا سعيدًا.
والفارق بين الأمرين شاسع.
حاولت المقاومة، وتمسّكت بما تبقّى من ذاتي.
لكن الصراع كان غير متكافئ.
هو يعرف كل نقاط ضعفي، كل مخاوفي،
وكل ذكرياتي المؤلمة التي صنعته من الأساس.
ومع كل محاولة تمرّد، كان يزداد رسوخًا،
بينما أزداد أنا وهنًا وضعفا.
في الصباح،
استيقظت وأنا أشعر براحة غريبة،
سلام مصطنع لا يشبه السلام الحقيقي.
لم يعد هناك صراع، ولا صداع،
ولا أفكار متداخلة.
نظرت إلى المرآة،
فرأيت وجهًا هادئًا أكثر مما ينبغي،
وعينين تخلوين من الأسئلة.
عندها فقط أدركت النهاية المرعبة للحكاية.
العقل الخفي لا ينتصر بالصوت العالي،
بل بالصمت التام.
