يونس عبد الحفيظ
يشيع الاعتقاد بأن الموهبة وحدها قادرة على إنتاج الإبداع، غير أن التجربة الثقافية تثبت عكس ذلك. فالموهبة، مهما بلغت حدّتها، تبقى طاقة خامًا إن لم تُصقل بثقافة واعية، وسياق معرفي يسبقها ويؤطّر مسارها.
كالعيس في الصحراء يقتلها الظمأ، والماء فوق ظهورها محمول، تحمل الموهبة أسباب الحياة لكنها تعجز عن استثمارها ما لم تمتلك أدوات الوعي والقراءة والتراكم. فالإبداع لا ينشأ في الفراغ، ولا يتطوّر بمعزل عن التجارب السابقة، شعرًا كان أم نثرًا، بل ينمو من داخلها وبالحوار معها.
إن الموهبة كنزٌ مطمور، لا يكشف قيمته إلا العمل الجاد، والانفتاح على الأسئلة، والاحتكاك بالنصوص المختلفة. ومن دون ثقافة ذاتية راسخة، يتحوّل الأدب إلى تكرارٍ مستهلك، ويغيب الاختلاف، وتخبو الدهشة التي تُعد جوهر الفعل الإبداعي.
وعليه، فإن الثقافة ليست زينة تُضاف إلى الموهبة، بل شرطها الأساسي، وضمانة استمراريتها، والأساس الذي تُبنى عليه نهضة أدبية حقيقية، قادرة على تجاوز الاستنساخ وصناعة المعنى.
