بقلم : أحمد رشدي
لم أكن أظن أن وظيفة حارس ليلي يمكن أن تتحول إلى مغامرة حياة أو موت.
لكن المبنى القديم، المهجور منذ عشرات السنوات، لم يكن مجرد حطام يعيشه الغبار. كان حيًا، بطريقة غير مفهومة، يراقب ويتفاعل، يختبر ويضحك بسخرية على كل خطوة أخطوها.
بدأت دوريتي كالعادة ممرات ضيقة،
أبواب تصرخ عند فتحها، رائحة الرطوبة ممزوجة بالغبار القديم الذي له طعم غريب،
كأنه يتذكر أشياء لا أعرفها.
حاولت أن أضحك على نفسي، “ها أنت، الحارس البطل… ماذا سيحدث؟ ربما لوحة كهربائية ستزعجك؟” أو ربما شبح سخيف
لكن المبنى لم يكن مهتمًا بسخريتي.
في الطابق الثالث، لاحظت بابًا صغيرًا لم أر مثله من قبل، غريب الشكل وكأنه رسمه مهندس سكران، مغطى بالغبار، وآثار أصابع حديثة تظهر وكأن أحدهم استخدمه مؤخرًا. فتحت الباب، ووجدت غرفة مكتظة بالكتب القديمة والمخطوطات، بعضها ممزق وبعضها مكتوب بخطوط لا يمكن تمييزها بسهولة.
أمسكت بأحد الدفاتر الصغيرة،
وقرأت السطر الأول:
“كل من يأتينا يترك جزءًا منه هنا…
وكل جزء يعود إلينا بطريقة لا نفهمها.”
ثم بدأ الصوت ليس خطوات، ولا همس، بل حفيف خفيف للأشياء تتحرك من تلقاء نفسها. حاولت الهروب، لكن الباب أغلق وحده. شعرت بالضيق، وشيء في الهواء يقول:
“لن تخرج قبل أن تفهم.”
تقدمت ببطء، وكل خطوة تزداد غرابة. أحد الكتب سقط أمامي، فتح نفسه على صفحة تحتوي على رسم لطفل يركض على درج غير متساوٍ، وكل درجة مكتوب عليها اسم شعور أو ذكرى.
حاولت النظر بتمعن، وفجأة شعرت بأن الدرج نفسه يتغير كل خطوة أخطوها كانت تتغير أمامي، أحيانًا أطول، أحيانًا أقصر، كأنه يرفض أن أتقدم إلا بعد أن أواجه ما خلف كل درجة.
بدأت أفهم اللعبة.
كل ما أخفيته طوال حياتي من خوف، كبرياء، كذب، أو تراجع عن مواجهة الحقيقة، أصبح هنا، على شكل اختبارات مادية على الدرج.
وكلما تجاهلت شيئًا، كان الدرج يتحرك بشكل غريب، يعيق تقدمي، يختبر صبري.
ثم جاءت أول مطاردة فعلية. شيء، لا أعرف إن كان إنسانًا أم مجرد تجسيد للذكريات، بدأ يتبعني، يحاول سد الطريق، يظهر فجأة من بين الكتب، يصرخ بصوت يرن في أذني: “لماذا تهرب؟” ركضت، وسقطت على درج عالٍ، ودفتر الملاحظات وقع مني.
كان الأمر مخيفًا جدًا، ليس بسبب الصوت، بل لأن كل ذكرى قديمة تترجم هنا إلى فعل ملموس، وكأن المبنى يحيي الماضي نفسه أمامي.
وقفت، التقطت الدفتر، وقرأت الصفحة الأخيرة:
“لن تخرج إلا إذا واجهت ما أهملته… إذا ضحكت على الخوف، واجهته بصدق.”
بدأت أواجه كل شيء:
ذكريات طفولة مهملة، كلمات قلتها بلا تفكير، قرارات ضعيفة خفت مواجهتها، صمتت عن قول الحقيقة. مع كل مواجهة، كان الدرج يستقر قليلاً، وكان الصوت يخف، وشيئًا فشيئًا شعرت بأن المبنى يتراجع، يترك لي مساحة للمضي قدمًا.
في النهاية، خرجت من الغرفة، ثم من المبنى، والنهار قد أشرق. لكن شيئًا غريبًا بقي:
كلما أغمضت عيني في الأيام التالية، كنت أرى أحداثًا قصيرة من حياة أشخاص لم أعرفهم، وكلها على شكل اختبارات صغيرة.
وفهمت: المبنى لا يموت، ويختبر كل من يدخله، يضحك على السخرية، يختبر القدرة على مواجهة الذات، ويترك لك تساؤلات لا تنتهي.
الخاتمة…
المطاردة لم تكن أبدًا من الخارج. كانت دائمًا داخل نفسك. كل مبنى مظلم، كل درج،
كل دفتر قديم، يحمل حكاية عن جزء منك لم تواجهه بعد.
وكل مرة تهرب، يزداد الأمر تعقيدًا… والمبنى، أو الحياة، أو حتى ذكرياتك،
سيضحكون عليك دائمًا.
ربما، في النهاية، الطريقة الوحيدة لتنجو هي أن تتوقف عن الهرب، وأن تواجه ما تظنه غير مهم، قبل أن يصبح
شيئًا حيًا يلاحقك في الليل.
تمت
