بقلم : أحمد رشدي
لم يكن العمل يومًا مجرد وسيلة للرزق،
بل كان ولا يزال مرآة للضمير الإنساني، ودليلًا على وعي الفرد بمسؤوليته تجاه نفسه وتجاه مجتمعه. فالتفاني في العمل ليس خُلُقًا إضافيًا، ولا قيمة تكميلية، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه الأمم، والركيزة التي تحفظ المجتمعات من الانهيار البطيء.
وحين نسأل: لماذا لا يبذل الإنسان كل جهده في عمله؟ تتعدد الإجابات وتتشابك الأسباب. هل هو فقدان الشغف؟ أم ضعف العائد المادي؟ أم غياب ثقافة الإتقان من الأساس؟ أم تراجع الإحساس بأن لكل عمل أثرًا، مهما بدا صغيرًا أو محدودًا؟
لماذا يُهمل مهندس الطرق في استلام طريق يعلم أنه سيمر عليه آلاف البشر؟
ولماذا يتساهل طبيب في تشخيص مرض قد يغيّر حياة إنسان بالكامل؟
ولماذا لا يشرح المعلم درسه بضمير حي، ولا يُتقن عامل البناء زوايا الحائط وميوله؟
أسئلة تبدو بسيطة، لكنها في حقيقتها مفاتيح لفهم أزمة عميقة تعيشها مجتمعاتنا.
إن أخطر ما في غياب التفاني والإتقان أنه لا يقف عند حدود الفرد، بل يمتد أثره ليسقط المجتمع بأكمله.
فالإهمال حين يتحول إلى سلوك عام، يصبح عدوى صامتة، تُفسد البنية المادية والمعنوية للوطن دون ضجيج.
فالطريق التي أُنشئت بلا ضمير، واستُلِمت بلا تدقيق، لا تبقى مجرد طريق سيئة، بل تتحول إلى خطر دائم، وحوادث متكررة، واستنزاف للأرواح والموارد.
ومع الوقت، تصبح الشوارع صورة حقيقية لحالة الإهمال العامة، ويعتاد الناس الرداءة كأنها أمر طبيعي لا يستحق الاعتراض.
وحين يُهمل الطبيب، أو يختصر الفحص، أو لا يمنح المريض حقه في التشخيص والمتابعة، ينشأ جيل ضعيف صحيًا، تتراكم أمراضه دون وعي، وتزداد كلفة العلاج، وتقل القدرة على العمل والإنتاج.
فصحة المجتمع ليست شأنًا فرديًا، بل هي أساس أي نهضة حقيقية.
وفي البناء، لا يصنع الإهمال مباني قبيحة فقط، بل مباني ضعيفة وخطرة، تهدد ساكنيها، وتتحول مع الزمن إلى كوارث محتملة.
بيت بلا إتقان هو قلق يومي، ومدينة بلا جودة في عمرانها هي مدينة تعيش على حافة الخطر.
أما التعليم، فالإهمال فيه هو الجريمة الأشد أثرًا. فالطالب الذي يتلقى علمًا مبتورًا، وشرحًا باهتًا، وتربية خالية من القدوة، سيخرج إلى المجتمع ضعيفًا في فكره، هشًا في وعيه، عاجزًا عن الإضافة.
هذا الطالب حين يكبر، لن يكون قادرًا على خدمة أمته أو وطنه، لأن الأساس الذي بُني عليه كان واهنًا. ضعف التعليم يصنع إنسانًا ضعيفًا، والإنسان الضعيف يصنع وطنًا متأخرًا.
وهكذا تتكامل الصورة:
إهمال العامل، وتقصير المعلم، ولا مبالاة الطبيب، وتساهل المهندس، كلها خيوط متشابكة تنسج في النهاية ضعف الوطن وتأخره. فالأمم لا تنهار فجأة، بل تذبل تدريجيًا حين يفقد أبناؤها الإحساس بقيمة ما يفعلون، وحين يُؤدى العمل بلا ضمير، وكأن أثره لن يعود يومًا على الجميع.
إن التفاني ليس ترفًا أخلاقيًا، ولا شعارًا مثاليًا، بل ضرورة وجود. وكل عمل، مهما بدا بسيطًا، هو لبنة في بناء المجتمع. فإذا فسدت اللبنات، انهار البناء كله. وحين يدرك الإنسان أن إتقانه اليوم هو أمان وطنه غدًا، يبدأ الإصلاح الحقيقي من حيث يجب أن يبدأ: من العمل، ومن الضمير، ومن احترام قيمة كل جهد يُبذل.
