خديجة ربيع “أسيرة القلم”
لم تكن سنواتي الماضية سوى دوّامةٍ من العجز، ديونٌ تتراكم، وأبوابٌ تُغلق، وأنا أتأرجح بين هذا وذاك؛ أستدين مرةً من صديقٍ مقرّب، وتارةً من قريب، حتى أثقلتني الأعباء، وعجزت عن تلبية أبسط احتياجاتي.. كانت المهنة بالكاد تسد الرمق، لا تكفي لإيجارٍ ولا لفواتير، حتى كسوتي أهملتها سنواتٍ طويلة، كأنني خرجتُ من حساب الحياة.
ثم جاءت الضربة القاسية؛ أزمةٌ مالية خانقة، لم أجد معها في البيت حتى مخزون رغيفٍ بسيط. ضاقت الأرض بما رحبت، فطفتُ المحافظات أبحث عن عملٍ ينجيني، لكن الأبواب جميعها بدت موصدة، والحلول تتبخر قبل أن تكتمل في ذهني.
ألهتني الدنيا، وأعمتني الحاجة، حتى رفعت السماعة يومًا واتصلت بصديقٍ قديم. التقينا في مقهى نحبه، اعتدنا أن نلوذ به كلما ضاقت بنا الحياة. جلسنا نتحدث عن كل شيء، نضحك قليلًا ونشكو كثيرًا، إلى أن باغتني بسؤالٍ لم أكن مستعدًا له: كيف حال قلبك؟ وكيف حالك مع الله؟ ساد الصمت، تجمّد لساني، وشعرتُ كأن الكلمات سقطت من داخلي. كيف أجيب؟ وكيف أعترف أنني نسيت من يُحييني، ويُميتني، ويرزقني في كل يوم؟ في تلك اللحظة أدركت أن التقصير كلّه كان منّي، وأن ما وصلتُ إليه لم يكن إلا ثمرة بُعدي.
عدتُ إلى بيتي مسرعًا، كمن عثر على ضالته بعد طول بحث. توضأتُ، واستغفرتُ الله على إسرافي في حق نفسي، وبدأتُ أصلّي كما لم أصلِّ من قبل. كأن الصلاة أعادتني إليّ، وذكّرتني بمن كنتُ ومن ينبغي أن أكون.
مرّ أسبوعان فقط…
وإذا بهاتفي يرنّ. مكالمة من شركةٍ عالميةٍ مرموقة، كنتُ قد قدّمت أوراقي لديها يومًا، ثم نسيت الأمر مع زحام الهموم. كانت بداية الفرج.
ومنذ تلك اللحظة، فُتحت لي أبواب الرزق، ورُزقتُ زوجةً صالحة، وأبناءً طيبين، وعلمتُ يقينًا أن الدعاء لا يضيع، وأن التسبيح مفتاح، وأن القرب من الله هو الغنى الحقيقي.
حين عدتُ إلى الله، عاد كل شيء.
من التيه إلى الطمأنينة
409
