نجده محمد رضا
في عالم الإعلام الذي يعجّ بالأصوات والوجوه، تبقى الإذاعية الكبيرة آمال فهمي رمزًا خالدًا في ذاكرة المصريين، بصوتها الدافئ وحضورها الإنساني، الذي صنع جسراً بين المذياع وقلوب الملايين.
فهي لم تكن مجرد مذيعة، بل كانت مدرسة في الحوار، ومؤسسة لفن الاتصال الإنساني الحقيقي.
بداية الحكايةمن “الناصية” إلى القلوب
وُلدت آمال فهمي في حي القلعة بالقاهرة عام 1926، وتخرجت في كلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، ثم التحقت بالإذاعة المصرية عام 1951، في زمن كان الميكروفون فيه نافذة على العالم.
منذ لحظة ظهورها الأولى، لفتت الأنظار بقدرتها الفائقة على التواصل مع المستمعين، وبساطتها التي جعلت صوتها مألوفًا في كل بيت مصري.
في منتصف الخمسينيات، أطلقت برنامجها الأسطوري “على الناصية”، الذي ظلّ يُذاع لعقود طويلة، وكان نموذجًا فريدًا للبرامج الحوارية التي تمزج بين الصحافة والإذاعة والإنسانية.
من خلاله، جابت آمال فهمي شوارع مصر وميادينها، ووقفت “على النواصي” فعلاً، تحاور الناس، تستمع إليهم، وتنقل نبض الشارع بصوت صادق لا يعرف التصنع.
صوت الشعب.. ولسان الوجع والأمل
كان برنامج “على الناصية” مرآةً حقيقية للمجتمع المصري. لم تكتفِ آمال فهمي بإجراء مقابلات شكلية، بل دخلت قلوب الناس، تحدثت مع الفقراء والبسطاء، ومع المسؤولين والفنانين والعلماء بنفس الروح.
ناقشت قضايا الفساد، والبطالة، والتعليم، والعادات الاجتماعية، بل كانت أول مذيعة تقتحم أعماق السجون لتجري حوارات من داخلها، في وقتٍ لم تكن تلك الجرأة مألوفة.
تُعد آمال فهمي أول مذيعة مصرية تحصل على جائزة مصطفى وعلي أمين للتميز الإعلامي، كما نالت وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تقديرًا لدورها الوطني والإعلامي.
واستمرت مسيرتها لعقود، حتى أصبحت رمزًا إذاعيًا يُدرَّس في معاهد الإعلام، وأحد أعمدة الإذاعة التي بنت مجدها بأصوات مخلصة.
علاقتها بالناس وذكاء إنساني نادر
لم تكن آمال فهمي مذيعة فحسب، بل كانت “أخت الناس” كما كان يسميها المستمعون.
كانت تُعدّ أسئلتها بنفسها، وتختار موضوعاتها بناءً على ما يشغل الرأي العام وحرصت دائمًا على أن يكون صوتها جسرًا بين المواطن والمسؤول وكانت تقول دائمًا
“المايكروفون أمانة.. ومفيش أجمل من إنك تكون صوت اللي مش قادر يتكلم.”
نهاية رحلة عظيمة وبقاء الأثر
رحلت الإذاعية الكبيرة آمال فهمي عن عالمنا في 8 أبريل 2018، بعد مسيرة قاربت سبعين عامًا من العطاء الإعلامي النادر.
ورغم رحيلها، ما زال صوتها يتردد في ذاكرة المصريين، وما زال “على الناصية” عنوانًا للصدق والبساطة والإنسانية
