د.نادي شلقامي
الاكتئاب عند النساء: حقيقة الصمت المضاعف.
يُعرف الاكتئاب بأنه “مرض العصر”، لكن حين يتعلق الأمر بالنساء، فإن الأرقام تتحدث بلغة أكثر قسوة. تشير الإحصائيات العالمية إلى أن النساء أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بضعف المعدل مقارنة بالرجال، وهي فجوة واسعة لا يمكن اختزالها في مجرد فروقات بيولوجية. إنها قصة تتشابك فيها الهرمونات المتقلبة في مراحل الحياة الحرجة (من البلوغ والحمل إلى سن اليأس)، مع الأعباء الاجتماعية والضغوط النفسية غير المنظورة. فبينما تحمل المرأة مسؤوليات مضاعفة، وتواجه توقعات اجتماعية مرهقة، يظل اكتئابها أحياناً ملفوفاً بستار من الصمت، ويُفسَّر خطأً على أنه مجرد “تقلبات مزاجية” أو “حساسية مفرطة”. هذا المقال يغوص في عمق هذه الظاهرة المقلقة، مستكشفاً الأسباب الكامنة، ومحددّاً الأوقات الأكثر خطورة، وكاشفاً عن الأعراض التي قد تختلف عن تلك التي تظهر على الرجال، والأهم… يقدم دليلاً شاملاً للعلاج والتعافي.
أولاً: أسباب وعوامل خطر الاكتئاب عند النساء:
تتعدد الأسباب وتتراوح بين عوامل بيولوجية وهرمونية ونفسية واجتماعية:
1- العوامل الهرمونية والبيولوجية:
1-1- تقلبات مستويات الهرمونات: التغيرات الكبيرة في هرموني الإستروجين والبروجسترون تؤدي دوراً رئيسياً، خاصة في أوقات مثل:
1-2- فترة البلوغ.
1-3- الدورة الشهرية (متلازمة ما قبل الطمث الاكتئابية).
1-4 الحمل.
1-5- ما بعد الولادة (اكتئاب ما بعد الولادة).
1-6- انقطاع الطمث (سن اليأس).
1-7- اختلاف الاستجابة للتوتر: يُفرز هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) بمعدلات أعلى ويبقى لفترة أطول في جسم المرأة بفعل هرمون الإستروجين، مما يجعل النساء أكثر عرضة لتأثيرات التوتر.
2- العوامل الوراثية: وجود تاريخ عائلي للإصابة بالاكتئاب يزيد من احتمالية الإصابة.
2-1-العوامل النفسية والاجتماعية:
2-2- الضغوط الحياتية والاجتماعية: تحمل مسؤوليات متعددة كالموازنة بين العمل وتربية الأطفال ورعاية الأسرة (الوالدين المسنين مثلاً).
2-3- التعرض للعنف والصدمات: التعرض للاعتداء الجسدي أو الجنسي، أو صدمات عاطفية، أو فقدان الدعم الاجتماعي.
2-4- التوقعات الاجتماعية: الضغوط المرتبطة بالكمال، وصعوبة التعبير عن المشاعر السلبية أو الضعف بسبب التنشئة والتوقعات المجتمعية.
2-5- الأمراض المزمنة: الإصابة بمرض مزمن مصحوب بألم مستمر أو يعيق القيام بالمهام اليومية، أو قصور الغدة الدرقية.
ثانياً: الأوقات الأكثر عرضة للإصابة:
هناك أوقات محددة في حياة المرأة ترتفع فيها احتمالية الإصابة بالاكتئاب نتيجة التغيرات الهرمونية الحادة:
1-سن البلوغ: بعد بدء الدورة الشهرية.
2- ما قبل الدورة الشهرية (متلازمة ما قبل الطمث الاكتئابية PMDD): تظهر الأعراض في الأسبوع الذي يسبق الحيض وتختفي بعد بدئه.
3- فترة الحمل (اكتئاب ما حول الولادة): يمكن أن يحدث الاكتئاب خلال الحمل.
4- ما بعد الولادة (اكتئاب ما بعد الولادة): يبدأ عادة خلال الأشهر الثلاثة الأولى بعد الولادة، وهو حالة خطيرة تتطلب العلاج.
5- انقطاع الطمث (سن اليأس): خلال فترة ما قبل انقطاع الطمث وأثنائها.
ثالثاً: الأعراض:
تتشابه الأعراض الأساسية للاكتئاب بين الرجال والنساء، لكن قد تختلف طريقة ظهورها أو التركيز عليها:
1-الأعراض النفسية:
1-1-الشعور بالحزن واليأس المستمر والفراغ.
1-2- فقدان الاهتمام أو المتعة بالأنشطة المعتادة (فقدان اللذة).
1-3- الشعور بالذنب المفرط أو عدم القيمة.
1-4- صعوبة في التركيز، اتخاذ القرارات، أو تذكر الأشياء.
1-5- الأرق أو النوم المفرط.
1-6- التفكير في الموت أو الانتحار.
1-7- لدى النساء قد تظهر بشكل أكبر: سرعة الانفعال، ونوبات البكاء الشديدة، والشعور بالقلق أو التوتر.
2- الأعراض الجسدية:
2-1- التعب والخمول وفقدان الطاقة.
2-2- تغيرات في الشهية والوزن (نقصان أو زيادة).
2-3- آلام جسدية مزمنة لا تستجيب للعلاج (كالصداع وآلام العضلات والمفاصل).
2-4- اضطرابات في الجهاز الهضمي (إمساك أو إسهال).
2-5- تغيرات في الدورة الشهرية.
رابعاً: الإحصائيات الدقيقة (النساء أكثر اكتئاباً من الرجال):
تشير الإحصائيات العالمية ومنظمة الصحة العالمية إلى أن النساء أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب بمعدل الضعف (مرتين) مقارنة بالرجال.
1- على سبيل المثال، تشير دراسات في أمريكا الشمالية إلى أن احتمالية الإصابة بنوبة اكتئاب جسيم خلال عام تصل إلى 8-10\% للإناث مقابل 3-5\% للذكور.
2- تُعزى هذه الفجوة في التشخيص إلى العوامل البيولوجية (خاصة الهرمونية) وكذلك إلى العوامل الاجتماعية والثقافية التي تزيد من ضغوط الحياة على المرأة، كما أن النساء أكثر عرضة لطلب المساعدة والتشخيص الطبي من الرجال.
خامساً: العلاج وكيفية التغلب عليه:
الاكتئاب مرض قابل للعلاج والتعافي منه ممكن، وعادة ما يتضمن العلاج دمجاً بين الرعاية الذاتية، العلاج النفسي، وفي بعض الحالات الأدوية:
1- التشخيص والعلاج الطبي:
2- استشارة طبيب نفسي/معالج نفسي: الخطوة الأولى هي الحصول على تشخيص دقيق.
3- العلاج النفسي (العلاج بالكلام): مثل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) الذي يساعد في تغيير أنماط التفكير والسلوك السلبية.
4- العلاج الدوائي: قد يصف الطبيب مضادات الاكتئاب لتحقيق التوازن في كيمياء الدماغ، خاصة في حالات الاكتئاب المتوسطة والشديدة.
5- الرعاية الذاتية وتغيير نمط الحياة:
5-1- النظام الغذائي الصحي: تناول طعام متوازن ومغذي.
5-2- النشاط البدني: ممارسة التمارين الرياضية بانتظام.
5-3- النوم الجيد: السعي للحصول على 7-9 ساعات من النوم الجيد يومياً.
5-4- الدعم الاجتماعي: بناء وتقوية شبكة الدعم من العائلة والأصدقاء.
5-5- تقنيات الاسترخاء: ممارسة اليوجا، التأمل، أو التنفس العميق للتحكم في التوتر.
5-6- تحديد الأهداف الواقعية: تقسيم المهام الكبيرة إلى خطوات صغيرة قابلة للإنجاز لتجنب الشعور بالإحباط.
5-7- تجنب العزلة: المشاركة في الأنشطة الاجتماعية وعدم الانعزال.
وفي الختام: ليس قدراً، بل معركة يمكن كسبها
يظل الاكتئاب عند النساء تحدياً صحياً واجتماعياً معقداً، يتطلب منا الاعتراف بأن زيادة معدلات الإصابة ليست مجرد أرقام عابرة، بل هي دعوة صريحة لإعادة النظر في الدعم المقدم للمرأة على كافة المستويات. إن رسالتنا الأخيرة هي أن الاكتئاب ليس ضعفاً شخصياً ولا هو قدر محتوم، بل هو مرض حقيقي وقابل للعلاج. فبينما تلعب التغيرات الهرمونية والضغوط الاجتماعية دوراً كبيراً، يبقى العلاج الفعّال متاحاً من خلال الجمع بين الدعم النفسي المتخصص، والرعاية الذاتية الواعية، والبيئة الداعمة. إن كسر حاجز الصمت، والاعتراف بالحاجة إلى المساعدة، هو الخطوة الأولى نحو استعادة القوة الداخلية والسلام النفسي. يجب علينا جميعاً، أفراداً ومجتمعات، أن نتبنى ثقافة التفهّم والدعم، لنتأكد أن كل امرأة تجد الطريق إلى التعافي لتستطيع أن تعيش حياة مليئة بالإمكانات، بعيداً عن ظلال الحزن المظلمة.
