بقلم … أحمد رشدي
لم يكن الصباح مختلفًا عن سائر الأيام،
لكنه كان يحمل في طيّاته وعدًا خفيًا لا يراه إلا القلب المستعدّ للدهشة
جلس “إسماعيل” في المقهى المعتاد، على الطاولة التي تطل على الطريق
أمامه فنجان قهوة لم يبرُد بعد،
ودفترٌ صغير يكتب فيه ملاحظاتٍ متفرقة عن كل شيء ولا شيء
كان الصمتُ يليق به،
حتى دخلت هي
امرأة بثوبٍ بسيط، تحمل في خطواتها ثقةً مدهشة، وفي ملامحها شيئًا من ضوء الفجر
نظرت تبحث عن مكانٍ تجلس فيه،
ولم تجد إلا الكرسي المقابل له
اقتربت بخجلٍ جميل وقالت بصوتٍ فيه حياءٌ ودفء:
“أيمكنني الجلوس؟ المقهى مزدحم اليوم”
رفع رأسه إليها،
وكأن عينيه التقتا بالدهشة ذاتها
قال مبتسمًا: “بكل سرور”
جلست وهي تُعدل شعرها بخفةٍ كمن يعتذر للعالم عن حضوره المفاجئ
ظلّ كلٌّ منهما يحاول أن يتظاهر بالانشغال
هي تتفقد هاتفها دون أن تقرأ شيئًا،
وهو يقلب صفحات دفتَره دون أن يكتب حرفًا
حتى قالت فجأةً وهي تنظر نحوه بنصف ابتسامة:
“تبدو كمن يكتب رواية عن فتاةٍ غريبةٍ اقتحمت عالمه دون إذن”
ضحك وقال: “بل ربما أكتب عن فنجان قهوةٍ قرر أن يغير حياة أحدهم”
قالت ضاحكة: “وهل يملك فنجان قهوة كل هذا السحر؟”
ردّ وهو ينظر إليها بهدوء: “إذا كانت هي من طلبته… فربما نعم”
سكتت لوهلةٍ،
وأحسّت أن قلبها يتلعثم
ثم قالت بخفةٍ مصطنعة: “أنت تجيد استخدام الكلمات”
فأجاب وهو ينظر في عينيها: “بل أجيد الإصغاء حين يكون الصوت جميلًا”
ومنذ تلك اللحظة،
صار المقهى عالمًا صغيرًا يجمعهما كل صباح
قهوةٌ على مهل، وضحكٌ بلا سبب، وحديثٌ عن الكتب والموسيقى والأحلام المؤجلة
كانت تحكي له عن رواياتها المفضلة،
وكان يروي لها عن المدن التي زارها وحكايات الغرباء الذين التقاهم
وكانت تضحك كلّما أخطأ في نطق كلمةٍ فرنسية،
فيتظاهر بالجدّ قائلًا: “أنا شاعر، لا مترجم”
وذات صباحٍ ماطر، تأخرت عن موعدها
جلس ينتظرها طويلًا، حتى كاد القلق يطغى على صبره
وحين همّ بالرحيل، فتحت الباب بخفةٍ تشبه الريح
دخلت مبتلة الشعر، تلهث قليلًا، وتقول:
“لم أُرد أن يفوتني فنجان القهوة معك، حتى المطر لم يمنعني”
ابتسم وهو يناولها منديلاً وقال:
“وهل تعلمين كم انتظرت هذا المطر لأراكِ تبتسمين بهذا الشكل؟”
ضحكت، وقالت بخجلٍ دافئ: “أخشى أن أعتاد وجودك أكثر مما ينبغي”
أجابها بصوتٍ خافتٍ كأنه وعد: “الاعتياد ليس خطرًا إن كان على شيءٍ جميل”
وبعد أسابيع قليلة، جاء يومٌ بدا مختلفًا
دخلت المقهى ولم تجده في مكانه
سألت النادل، فأخبرها أنه لم يأتِ منذ أيام
شعرت بشيءٍ يضيق في صدرها،
خرجت مسرعة، وكأنها تخشى أن يتسرب الوقت من بين يديها
وفي المساء،
وجدت رسالة صغيرة عند باب المقهى باسمها
كانت بخطّه تقول:
فقط أردت أن أعرف…
هل يشتاق القلب عندما يغيب فنجان القهوة؟”
في اليوم التالي، كانت هي أول الواصلين
جلست تنتظر، والابتسامة على وجهها
وحين دخل أخيرًا، لم تقل شيئًا
فقط وضعت أمامه فنجانًا وقالت:
“اليوم قهوتك عليّ،
ولكن على مهل…
لأنني لا أريد أن ينتهي هذا اللقاء أبدًا”
نظر إليها طويلًا، ثم قال بابتسامةٍ صادقة:
“على مهلٍ يا عزيزتي…
فالأشياء الجميلة لا تُشرب بسرعة”
وفي آخر المساء، حين غادرا المقهى معًا تحت المطر، كانت تضحك وهو يمسك بيدها لأول مرة
قالت له وهي ترفع وجهها نحو السماء:
“لم أظن أن قصة حبٍّ يمكن أن تبدأ من فنجان قهوة”
فأجابها وهو يبتسم:
“بل تبدأ من النظرة الأولى،
لكن القهوة تمنحها نكهة لا تُنسى
قهوة علي مهل…
