قصة قصيرة
بقلم..دارين محمود
عم محمد بواب عمارتنا… كان صوته القوي والخالد، الذي يملأ الصباح بهجة بأغاني الزمن الجميل، كان يغني لـ وردة وعبد الوهاب وعبد الحليم حتى فيروز وكان يقلد صوت فريد الأطرش وكأنه هو، كنا نستمع له ونحن نتعجب جمال صوته وفي بعض الاوقات نطلب منه يغني مقاطع مختلفه..هو بواب للعمارة ولكن انسان خلوق مرح يحب مكانته وكأنه وزير نفسه ،..و قد تبخر فجأةكل هذا ،
رحلت عنه زوجته “أمينة”، فهي كانت كل عالمه الجميل ورحلت فجأة ، أصبح عم محمد جسدًا بلا روح. عيناه الغائرتان تبحثان في وجوه المارة عن طيفها، وقدماه تحمله في الشوارع بلا وجهة، كأنه يظن أنها ضاعت في زحام المدينة وسيعيدها صوته الداخلي الهامس.
في عمارة “الياسمين”، كان الحزن ثقيلاً. الموضوع لم يكن مجرد تغيير بواب؛ كان الموضوع يتعلق بإنسان عاش بيننا وحفر صوته في ذاكرة أيامنا. اجتمع السكان، من شقة رقم (1) السيدة مديحة، إلى شقة (10) المهندس خالد، واتفقوا على ضرورة التحرك. كان الشعور السائد: “عم محمد ليس وحيدًا، ونحن عائلته”.
بدأت عملية البحث في هدوء وحرص. لم تكن مهمة سهلة، فالرجل فقد بوصلته. أخذوا يتناوبون البحث عنه في المستشفيات وأقسام الشرطة ومقاهي الحي القديمة التي اعتاد الجلوس فيها. المهندس خالد استغل علاقاته، والسيدة مديحة سألت كل الباعة في المنطقة. بعد يومين من القلق والبحث المضني، وجده الأستاذ إبراهيم، ساكن شقة (4)، جالسًا على رصيف مهجور تحت شجرة كبيرة في حديقة بعيدة، يضم بين يديه صورة قديمة لأمينة، وعيناه تغرقهما الدموع الصامتة.
عندما عاد عم محمد إلى العمارة، لم يجد نظرات شفقة، بل وجد أذرعًا مفتوحة. وفر له السكان رعاية خاصة. السيدة مديحة كانت تحضر له وجبات دافئة، والمهندس خالد تكفل بترتيب جلساته مع دكتور نفسي متخصص في التعامل مع الصدمات وفقد الأحبة، وجميعهم كانوا يصرون على زيارته والجلوس معه، لا ليقدموا نصائح، بل ليقدموا مجرد وجود هادئ.
كان طريق التعافي طويلاً وبطيئًا. الطبيب النفسي كان يؤكد دائمًا على أن “الوحدة تقتل، والاحتواء يحيي”. وهنا، ظهرت قوة الاتحاد. لم يتركوه يومًا، وببطء شديد، بدأ عم محمد يستعيد جزءًا من روحه المفقودة.
في أحد الأيام، بعد مرور حوالي شهرين، وبعد عودته من جلسة علاج، جلس عم محمد على كرسيه القديم بجوار باب العمارة. كان الهدوء مخيفًا. فجأة، وبدون مقدمات، ارتفع صوته. كان الصوت متقطعًا وخافتًا في البداية، ثم بدأ يكتسب قوة، ولكنه لم يكن يغني أيًا من روائع فريد أو وردة. كان يغني أغنية واحدة فقط:
“يا حبايبي يا غايبين… يا أهل الله، يا طيبين…”
لم تكن نبرته نبرة احترافية، بل كانت نبرة روح تتصالح مع الفقد. كانت الأغنية قصيرة، يكررها مرارًا وتكرارًا، كأنها الصلة الوحيدة الباقية بينه وبينها.
عندما سمع السكان صوته، توقفوا. لم يتجرأ أحد على الخروج أو التصفيق. عرفوا أن هذه هي إشارة السلام. إشارة إلى أن عم محمد لم يعد يبحث في الشوارع، بل وجد طيفها في صوته. لقد أدركوا أن اتحادهم في الخير، وحرصهم على عدم تركه يواجه صدمته وحيدًا، لم يعد إليه البواب، بل أعاد إليه إنسانًا قادرًا على الغناء من جديد، حتى لو كانت أغنية واحدة تترجم كل حنينه وفقدانه.
في تلك اللحظة، عمّت الطمأنينة أرجاء عمارة “الياسمين”. صوت عم محمد أصبح نشيدًا جديدًا للصباح، نشيدًا لا عن الحب، بل عن التعاطف وقوة الألفة. صوت يصدح ليذكر الجميع أن: الاتحاد في الخير سلام.
