بقلم: السيد عيد
نعم، الكلمات ليست مجرد حروف تُقال؛ إنها أجهزة مخابرات عاطفية، تدخل قلوبنا دون تصريح، وتفتّش أحلامنا دون إذن قضائي. تارةً تتسلل إلينا في هيئة همسة حنونة تربت على جراحنا، وتارةً تتحوّل إلى حجارة بلّورية تُلقى علينا من أعلى برج الطموحات، فنقع ونُحاسب أنفسنا: “هو أنا اللي كنت سايب الكلام داخل من غير ما أعمله تفتيش؟”
الكلمة يا سادة أشبه بالماء. تشرب منها في لحظة عطش فتشعر أنك إنسان جديد، ثم تكتشف بعد دقائق أنها كانت مجرد “شربة” أمل مؤقتة، لا تسمن ولا تغني من خيبة. وهي أيضًا قد تأتيك كأمواج عاتية؛ موجة ترفعك إلى شاطئ الثقة، وأخرى تكسرك على صخور الشك، وثالثة تتركك تتقلب في بحر الندم مثل سمكة تجد نفسها فجأة خارج المياه تتساءل: “أنا جيت هنا إزاي؟!”
والعجيب أن البشر يتعاملون مع الكلمات وكأنها لعب أطفال. أحدهم يرمي بكلمة طائشة وهو يحتسي القهوة، وآخر يطلق حكمة زائفة وهو نصف نائم، وثالث يقرر أن يُفرغ غضبه في جملة واحدة تقولها له زوجته لاحقًا: “جرحتني!” فيرد بثقة: “ما كنتش أقصد”… وكأن النية تُصلح ما أفسدته البلاغة.
الكلمات يا صديقي تُبني بها علاقات، وتُهدَم بها أوطان. تُصلح بها قلوبًا، وتُشعل بها حروبًا. تكفي جملة واحدة تُقال في لحظة غضب لتهدم عشرة أعوام من السلام، وتكفي كلمة “آسف” – إذا كانت صادقة طبعًا وليست من النوع المعلّب – لتعيد ترتيب خرائط الوجدان.
بل إن أغلب مشاكلنا الحديثة سببها كلمات، سواء تلك التي نقولها، أو تلك التي لم نتعلم بعد كيف نسكت عنها. هناك من يتفنن في تحويل كل محادثة بسيطة إلى خطبة عصماء، وآخر لا يتحدث إلا عندما تكون كلماته قادرة على إحداث انهيار اجتماعي طفيف. وهناك صنف ثالث – وهو الأكثر خطورة – يتحدث بابتسامة مطمئنة بينما يطلق سهامًا لغوية مدهونة بالعسل، فتتلقى الطعنة وتقول: “الكلام حلو… بس ليه بيوجع؟”
ولعلّ أهم ما في الكلمات أنها لا تموت. نرميها في الهواء فتظل تدور فوق رؤوسنا، تُسجّل، وتراقب، وتنتظر لحظة العودة. قد تنام خمس سنوات ثم تستيقظ فجأة في نقاش عائلي لتقول: “فاكر لما قلتلي…؟” فتتمنى لو كنت قد ولدت أبكم.
وفي النهاية، سواء أحببنا أم كرهنا، تبقى الكلمات جزءًا من مصيرنا. نبني بها أنفسنا مرة، ونهدم بها ما بنيناه مرتين، لكنها دائمًا دون استئذان تترك فينا أثرًا لا يزول. وربما هذا هو سرّها الحقيقي: أنها الشيء الوحيد الذي نملكه ونخافه في الوقت نفسه.
فاحذر كلماتك يا صديقي… فربما تكون هي الموجة القادمة التي ستُغرِقك… أو المنقذ الذي لم تتوقعه.
