بقلم : أحمد رشدي
لا يبدأ إصلاح المجتمعات من القوانين وحدها، ولا من الخطط الكبرى مهما بلغت دقتها،
بل يبدأ من نقطة أعمق وأصدق من داخل الإنسان نفسه.
فالنفس هي البذرة الأولى لكل فعل، فإن صلحت أثمرت خيرًا، وإن فسدت أفسدت ما حولها مهما بدا البناء متينًا من الخارج.
وفي زمن تتكاثر فيه الأزمات وتتداخل التحديات، يصبح إصلاح النفس ليس خيارًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة وطنية ومجتمعية لا غنى عنها.
إصلاح النفس هو ذلك الجهد الصامت الذي لا تلتقطه الكاميرات، ولا تصنعه الشعارات، لكنه يصنع الفارق الحقيقي.
هو مراجعة دائمة للضمير، وتصحيح مستمر للمسار، وقدرة شجاعة على الاعتراف بالخطأ قبل البحث عن شماعات نعلق عليها فشلنا. فالمجتمع ليس كيانًا منفصلًا عن أفراده،
بل هو مرآة مكبرة لسلوكهم اليومي،
وأخلاقهم في العمل، وصدقهم في القول، وعدلهم في التعامل.
حين يلتزم الإنسان بقيم الصدق والإتقان والعدل، فإنه لا يصلح نفسه فحسب، بل يساهم تلقائيًا في إصلاح بيئته المحيطة.
الموظف الذي يؤدي عمله بأمانة، والمعلم الذي يخلص لرسالته، والتاجر الذي يراقب الله قبل الربح، كلهم شركاء في بناء مجتمع متوازن دون ضجيج أو ادعاء.
فالإصلاح الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى خطب رنانة، بل إلى سلوك مستقيم يتكرر كل يوم.
وتكمن خطورة إهمال إصلاح النفس في أن الخلل الصغير حين يُترك دون علاج يتحول إلى فساد عام.
فالتهاون البسيط في القيم، والتبرير المستمر للأخطاء، والتعود على المخالفات، كلها تشق طريقها ببطء إلى نسيج المجتمع، حتى يصبح ما كان مرفوضًا بالأمس أمرًا عاديًا اليوم.
ومن هنا ندرك أن معركة الإصلاح الأولى هي معركة وعي، قبل أن تكون معركة تشريعات.
الأسرة بدورها هي الحاضنة الأولى لهذا الإصلاح الداخلي. ففي البيوت تُصاغ علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين، ويتعلم الطفل كيف يحاسب ذاته قبل أن يحاسب غيره، وكيف يتحمل نتائج أفعاله، وكيف يفهم أن الحرية مسؤولية لا فوضى.
أسرة تزرع في أبنائها قيمة المراجعة الذاتية، تساهم في تخريج مواطنين قادرين على إصلاح المجتمع لا على تحميله أخطاءهم.
ولا ينفصل إصلاح النفس عن الإصلاح العام في السياسة والاقتصاد والثقافة، بل هو قاعدته الصلبة. فسياسة بلا ضمير تتحول إلى صراع مصالح، واقتصاد بلا أخلاق ينتج الظلم والاحتكار، وثقافة بلا قيم تصنع وعيًا مشوشًا. أما حين يكون الإنسان مستقيم الداخل، فإنه يشارك في الشأن العام بوعي، وينتقد بإخلاص، ويختلف باحترام، ويسعى للتغيير دون هدم.
إن إصلاح النفس ليس رحلة مثالية خالية من العثرات، بل مسار طويل يتطلب صبرًا ومجاهدة واستمرارية. لكنه الطريق الأضمن لبناء مجتمع متماسك، لأن المجتمعات القوية لا تقوم على كثرة الشعارات، بل على كثرة الضمائر الحية. وحين يدرك كل فرد أن إصلاح العالم يبدأ بإصلاح ذاته، نكون قد وضعنا أقدامنا على أول الطريق الصحيح.
هكذا، يصبح إصلاح النفس فعلًا وطنيًا بامتياز، وتتحول الأخلاق الفردية إلى قوة جماعية، ويغدو المجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحدياته، لأن أساسه حينها يكون إنسانًا صالحًا، واعيًا، ومسؤولًا.
