بقلم : أحمد رشدي
هناك فكرة سيئة جدًا، لكنها مريحة
أن كل ما مررتَ به كان وهمًا.
أن تستيقظ يومًا فتكتشف أن الرقم لم يكن موجودًا، وأن العالم ما زال كما تركته.
للأسف…
هذا لا يحدث.
استيقظتُ في مكان لا أملك له اسمًا.
ليس غرفة، ولا فراغًا كاملًا.
أشبه بممر طويل بلا جدران واضحة، مغمور بضوء رمادي مريض،
كضوء الفجر حين يفشل في أن يكون فجرًا.
أول ما فعلته تصرف بشري بائس
أنني نظرتُ إلى معصمي.
لم يكن هناك رقم.
شعرتُ براحة غريبة،
تلتها مباشرةً حالة فزع أشد.
غياب الرقم لم يكن خلاصًا… بل ترقية.
سمعتُ صوتًا خلفي.
ليس صوتًا واضحًا،
بل فكرة تُلقى في رأسي مباشرةً.
لا تحتاج إلى عدّاد بعد الآن.
التفتُّ، فرأيتهم.
أشخاص عاديون جدًا.
هذا أكثر ما يرعبك فيهم.
رجل أصلع يحمل حقيبة قديمة.
امرأة في منتصف العمر، تنظر حولها كأنها تبحث عن محطة أتوبيس.
شاب نحيف يعبث بأصابعه بعصبية.
لا شيء خارق.
لا شيء يعلن الكارثة.
وهذا خطأ جسيم.
قال الرجل الأصلع، وكأنه يقرأ نصًا محفوظًا:
“أهلاً بك في المرحلة الثانية.”
سألته، لأنني ما زلت أملك هذا الوهم الساذج بأن الأسئلة تنقذ:
“المرحلة الثانية من ماذا؟”
أجاب:
“من الاستخدام.”
بدأتُ أفهم ببطء مؤلم. هؤلاء لم يكونوا ضحايا. كانوا… سابقين.
كل واحد منهم كان عدّادًا انتهى دوره،
ثم أُعيد توظيفه.
قالت المرأة فجأة:
“هل لاحظتَ أن العالم لم ينقص عدد سكانه؟”
نعم. لاحظت.
يموت الناس، لكن العدد دائمًا ثابت.
كأن هناك يدًا خفية توازن المعادلة.
أشار الشاب النحيف إلى الفراغ أمامنا،
فانفتح المشهد كستارة مسرح.
رأيتُ العالم.
ليس كما نراه، بل كما يُدار.
نقاط حمراء تومض ثم تنطفئ.
أسماء تُمحى بهدوء.
وأرقام… كثيرة جدًا.
قال الصوت في رأسي مرة أخرى:
الخوف طاقة. والوجود يحتاج طاقة.
فهمتُ الآن لماذا كان النسيان لطيفًا.
كان تخديرًا.
سألتُ السؤال الذي أخشاه:
“وماذا أفعل الآن؟”
قال الرجل الأصلع مبتسمًا ابتسامة موظف حكومي:
“تراقب. أحيانًا… تُرشِد.”
“ترشد مَن؟”
نظر إليّ نظرة طويلة،
ثم قال:
“الذي يكتشف الرقم لأول مرة.”
تذكرتُ نفسي.
ذلك الصباح السخيف.
ذلك الرقم الصغير.
فهمتُ الكارثة الحقيقية.
نحن لا نُقتل.
نحن يعاد إنتاجنا… كجزء من النظام.
قبل أن أعترض وهذا تصرف رمزي بلا قيمة رأيتُ طفلًا جديدًا في العالم.
عادي جدًا. يصرخ. يلوّح بيديه.
وعلى معصمه…
ظهر رقم أحمر.
التفتَ الطفل فجأة، ونظر إليّ.
نعم… نظر إليّ.
وفي تلك اللحظة، سمعتُ العدّ يبدأ من جديد.
ليس على معصم أحد.
بل في رأسي.
لو استيقظتَ يومًا ووجدتَ رقمًا أحمر على جلدك…
لا تركض.
لا تبحث.
ولا تحاول الفهم.
الأخطر من أن تكون معدودًا…
أن تصبح من الذين يعدّون.
