بقلم : جمال حشاد
في العصر الحديث، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي (AI) أصبح أحد أهم القوى التي تُعِيد تشكيل العالم، داخليًا وخارجيًا، في جميع المجالات الممكنة. ومع تسارع وتيرة التطور التكنولوجي، بات موضوع الذكاء الاصطناعي ليس مجرد فكرة علمية أو تقنية، بل ثقافة متكاملة تؤثر على طريقة حياة الإنسان، التفكير، العمل، التعليم، وحتى الهوية المجتمعية. وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا لا يمكن تجاهله في رسم مستقبل المنطقة، حيث تتشابك الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لتشكيل واقع معقد ومثير.
أولاً: مفهوم ثقافة الذكاء الاصطناعي:
تشير ثقافة الذكاء الاصطناعي إلى مجموعة المعارف والممارسات والتوقعات الاجتماعية التي تنشأ حول استخدامات الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية. إنها ليست مجرد أدوات وتقنيات، بل طريقة جديدة للتفكير والتفاعل مع العالم. فالثقافة هنا تشمل القيم، الأخلاقيات، السلوكيات، ونظم العمل التي تتشكل بفعل تأثير الذكاء الاصطناعي على المجتمع.
في الشرق الأوسط، حيث تتعايش التقاليد مع متطلبات الحداثة، يمثل الذكاء الاصطناعي جسرًا بين الماضي والطموحات المستقبلية. فهو يفتح آفاقًا للتقدم، ولكنه في الوقت نفسه يستدعي تساؤلات أخلاقية وثقافية عميقة حول الهوية، العمل، والتعليم.
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي والاقتصاد:
لا شك أن الذكاء الاصطناعي له تأثير قوي على الاقتصاد في المنطقة:
خلق فرص جديدة: من خلال تطوير قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا الصحية، الطاقة الذكية، الزراعة الدقيقة، والخدمات المالية الرقمية. فقد بدأ العديد من الدول مثل الإمارات والمملكة العربية السعودية ومصر في الاستثمار بكثافة في مشاريع الذكاء الاصطناعي لجذب الاستثمارات العالمية وتهيئة بيئة أعمال تنافسية.
إعادة تشكيل سوق العمل: بينما يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقًا لوظائف جديدة، فإنه أيضًا يعيد توزيع المهارات المطلوبة. المهام الروتينية قد تختفي أو تتراجع، بينما ترتفع الحاجة إلى مهارات تقنية، تحليل بيانات، وإدارة أنظمة ذكية. هذا التحول يتطلب تغييرًا في السياسات التعليمية وسياسات التدريب المهني.
ثالثًا: التعليم والمعرفة:
يُعد التعليم أحد أكثر المجالات تأثرًا بثقافة الذكاء الاصطناعي:
١. نظم تعليم ذكية: يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم برامج تعليمية فردية تتناسب مع احتياجات كل طالب، وتحديد نقاط القوة والضعف لديهم.
٢. تطوير المناهج: بات من الضروري تضمين مفاهيم الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، التفكير النقدي، والأخلاقيات الرقمية ضمن المناهج التعليمية لتجهيز جيل قادر على المنافسة في اقتصاد المعرفة.
٣.الفجوة الرقمية: على الرغم من التقدم، لا تزال هناك تفاوتات في الوصول إلى التكنولوجيا بين المدن والريف، وبين طبقات المجتمع. لذا يجب أن تكون السياسات شاملة لضمان عدم ترك أي فئة وراء التقدم.
رابعًا: الثقافة والعمل الاجتماعي:
الثقافة الاجتماعية في الشرق الأوسط تشهد تحوّلات بسبب الذكاء الاصطناعي:
العلاقات الاجتماعية:
التطبيقات الذكية ووسائل التواصل المدعومة بالذكاء الاصطناعي تغير من طريقة التواصل بين الأفراد، وأحيانًا تولد تحديات حول الخصوصية والقيم الاجتماعية التقليدية.
الإبداع والفن: الذكاء الاصطناعي أصبح أداة جديدة في عالم الفن والإبداع، فمن خلاله يمكن إنتاج أعمال موسيقية، أدبية، وتصميمات بصور وأساليب مبتكرة، مما يعيد تعريف مفهوم الإبداع في المجتمع.
الأخلاقيات والقيم: تنشأ تساؤلات حول القيم الأخلاقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات حساسة مثل الأمن، الرعاية الصحية، والعدالة. هذه التساؤلات تتطلب حوارًا ثقافيًا عميقًا حول ما هو مقبول وما هو غير مقبول في سياقنا الثقافي والديني.
خامسًا: الحكومات
والسياسات:
استجابت حكومات الشرق الأوسط بسرعة لفرص وتحديات الذكاء الاصطناعي:
خطط واستراتيجيات وطنية: أطلقت دول مثل الإمارات “استراتيجية الذكاء الاصطناعي” و”وزارة الذكاء الاصطناعي”، بينما تتبنى دول أخرى برامج مشابهة لتطوير البنية التحتية الرقمية، حماية البيانات، وتشجيع الابتكار.
التنظيم والأخلاقيات: يتطلب الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي وضع أطر تنظيمية تحمي الأفراد وتضمن الشفافية والمساءلة، خصوصًا في تطبيقات مثل التعرف على الوجوه أو القرارات المستندة إلى الخوارزميات.
سادسًا: التحديات
المستقبلية:
بالرغم من الإمكانيات الهائلة، تواجه المنطقة تحديات متعددة:
نقص الكفاءات المتخصصة: الحاجة لتدريب كوادر قادرة على فهم وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
الفجوة الرقمية: كما سبق ذكره، قد تتسع الفجوة بين الطبقات والمناطق إن لم تُعالج السياسات بشكل عادل.
المخاوف الأخلاقية: تتطلب الثقافة الجديدة موازنة بين التقدم التكنولوجي والقيم الإنسانية.
اننا كى نتجه نحو مستقبل متوازن علينا أن نعى جيدا طبيعة العصر الذى نعيشه؛
وإنه يمكن القول أن ثقافة الذكاء الاصطناعي تحمل في طياتها فرصًا غير مسبوقة لتقدم الإنسان في الشرق الأوسط، لكنها في الوقت نفسه تفرض مسؤوليات كبيرة على الأفراد، المؤسسات، والحكومات.
المستقبل ليس مجرد مجال للتقنيات، بل هو فضاء تتلاقى فيه القيم والتكنولوجيا لصياغة مجتمع جديد. ولن يتحقق هذا المستقبل إلا من خلال:
١. تعليم يواكب العصر
٢. سياسات تشجع الابتكار وتحمي المجتمع
٣. ثقافة تحترم القيم الإنسانية
٤.تعاون عالمي يضمن استفادة عادلة للجميع.
واخيرا وليس آخرا ..
إن الذكاء الاصطناعي ليس فقط تقنية، بل قوة ثقافية قادرة على إعادة كتابة قصة الإنسان في الشرق الأوسط
— قصة تتطلب رؤية واضحة، شجاعة للتغيير، وحوارًا مستمرًا بين الماضي والمستقبل.
ثقافة علمية يتمتع بها الإنسان العربى فى الشرق الأوسط فى شتى المجالات والثقافات .. بعيدا عن التخصصية فى مجال واحد أو فى ثقافة واحدة.
