بقلم : أحمد رشدي
الاختلاف سنة كونية لا يمكن تجاوزها ولا يصح التعامل معها باعتبارها خطرا يجب التخلص منه فالتنوع في الآراء والتوجهات هو ما يمنح المجتمعات حيويتها وقدرتها على التطور؛
غير أن المشكلة لا تكمن في الاختلاف ذاته بل في الطريقة التي نُديره بها حين يتحول من مساحة للتكامل إلى ساحة للصراع.
في كثير من الأحيان يُختزل الخلاف في معركة كسب وخسارة فيسعى كل طرف إلى إثبات صحة موقفه لا إلى فهم موقف الآخر ،
وهنا يضيع جوهر الحوار ويتراجع العقل أمام الانفعال فالاختلاف الصحي لا يقوم على إقصاء الآخر بل على الاعتراف بحقه في الرأي مع الاحتفاظ بحق الرد والنقد في إطار من الاحترام.
لقد أثبتت التجارب الإنسانية أن أعظم الأفكار ولدت من رحم التباين فالعقول المتشابهة نادرا ما تنتج جديدا بينما التفاعل بين وجهات نظر متعددة يفتح آفاقا أوسع للحلول والإبداع
ولهذا كانت المجتمعات التي تحسن استثمار اختلافاتها أكثر قدرة على تجاوز أزماتها وأكثر استعدادا لمواجهة المستقبل.
ويزداد خطر الخلاف حين يُغذى بالتحريض أو يُدار بمنطق التصنيف والتخوين فحين يُختزل الإنسان في رأيه فقط تُسلب منه إنسانيته ويصبح الحوار مستحيلا أما حين يُنظر إليه كشريك في الوطن والمصير يصبح الخلاف فرصة لإعادة التفكير لا سببا للانقسام.
إن ثقافة قبول الاختلاف لا تعني التنازل عن المبادئ ولا الذوبان في الآخر بل تعني الثقة في قوة الفكرة وقدرتها على الصمود دون الحاجة إلى إسكات المخالف فالفكرة القوية لا تخشى النقاش بل تزدهر به.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك القضايا تصبح الحاجة ملحة إلى خطاب يعيد الاعتبار للعقل ويضع الاختلاف في إطاره الطبيعي باعتباره وسيلة للفهم لا ذريعة للعداء. فالمجتمع الذي يتعلم كيف يختلف بوعي هو مجتمع يخطو بثبات نحو النضج
وفي النهاية يبقى الاختلاف اختبارا حقيقيا لوعينا الجماعي فإما أن نحوله إلى أداة للهدم وإما أن نجعله جسرا للتلاقي والنهوض وحين نختار الطريق الثاني نكون قد انتصرنا للعقل والإنسان والمستقبل في آن واحد.
