د. نادي الشلقامي
في إطار سلسلة “حكايات الجود”، يروي الدكتور نادي الشلقامي مواقف إنسانية عاشها بنفسه في “بلاد زايد الخير”، تكشف كيف أصبح الكرم والشهامة جزءًا من النسيج الإماراتي، وسمة تميّز أبناء زايد في تعاملهم مع الجميع دون تفرقة.
منذ أن وطأت قدمي أرض زايد الخير في مطلع عام 2006، بدأت أسمع من الأصدقاء والأقرباء قصصًا لا تُحصى عن الجود والشهامة والكرم من أبناء هذا الوطن المعطاء… زايد العطاء، وزايد الجود.
وبينما كنت أبحث عن عملٍ في بداية حياتي هنا، وجدت نفسي أعيش في بيئة يفيض فيها الكرم، لا كشكل من أشكال المظاهر الاجتماعية، بل كقيمة متأصلة في القلوب.
عملت في إحدى الشركات، وكانت أسرتي الصغيرة – زوجتي وولدَيّ – لا تزال في مصر. وفي بداية عام 2007 أنهيت أوراق قدومهم إلى الإمارات، فكان استقبالهم مليئًا بالفرح والحفاوة. أحبّوا الجو الإماراتي، وكونوا صداقات جميلة مع عائلات من الأردن وفلسطين ومصر، حتى بدؤوا عامهم الدراسي الجديد بسعادةٍ وطمأنينة.
لكن في مطلع عام 2008 جاء الخبر الذي غيّر مجرى حياتنا؛ إذ اكتشفنا إصابة زوجتي – رحمها الله – بسرطان الثدي. قررت أن تعود إلى القاهرة لتلقي العلاج، ولم أكن أعلم آنذاك أن الإمارات تضم نخبة من الأطباء العرب المتميزين الذين يشاركون زملاءهم الإماراتيين رسالتهم النبيلة.
أجرت زوجتي العملية الجراحية في مصر وتعافت، ثم عادت إلينا إلى الإمارات لتعيد للحياة دفئها. غير أن المرض عاد بعد أشهر قليلة، وشعرتُ حينها بأننا على موعدٍ مع اختبار صعب.
أدخلتها مستشفى الكويتي بإمارة الشارقة، وهناك وجدت ما لا يمكن أن يُنسى. لم أكن أُعامل كطبيبٍ يرافق زوجته، بل كمواطنٍ له الحق الكامل في الرعاية والاهتمام. رأيت بعيني كيف تُمارَس الإنسانية في أبهى صورها: رعاية طبية فائقة، وابتسامات صادقة من الطاقم الطبي والإداري، وعناية دقيقة بكل التفاصيل.
جلست زوجتي شهرين في المستشفى، حتى بدأ المرض ينتشر في جسدها. وفي تلك اللحظات الصعبة، أرسل الله إلينا الطبيبة السودانية “أميرة” – وحقًا كانت أميرة في رحمتها وإنسانيتها – إذ عرضت أن تُرسل أوراق زوجتي إلى مستشفى “توام” في إمارة العين، المتخصص في الأورام.
ولم تمضِ ساعة واحدة حتى جاء الرد بالموافقة، مع وعدٍ بإرسال إسعاف مجهّز في صباح اليوم التالي.
وفي الموعد المحدد، جاءت سيارة الإسعاف بكامل تجهيزاتها، دون أي تكاليف، بل بترحيب وابتسامة من القلب.
وحين وصلنا إلى مستشفى توام، استقبلونا بالقهوة والترحاب والاحترام، وبدأت الإجراءات بسلاسة مدهشة.
رأيت الطاقم الطبي والإداري يتحرك بحماس إنساني نادر. كل من قابلنا كان يحمل وجهًا بشوشًا وكلمة طيبة، والورود والفاكهة لا تفارق الغرفة، وكأن المستشفى بيتٌ كبير يسوده الإخلاص والتراحم.
حينها فقط، أدركت أن ما يُقال عن “بلاد زايد الخير” ليس مجرد كلمات تُردد، بل هو واقعٌ يُعاش في كل زاوية، وفي كل نفسٍ من أبناء هذه الأرض الطيبة.
نعم… بلاد زايد الخير تعجّ بمواقف الكرم والسخاء والجود والشهامة، التي تمتد لتشمل كل البشر، دون تفرقةٍ في أصلٍ أو لونٍ أو جنسية.
وفي الحلقات القادمة، بإذن الله، سأروي لكم مواقف أخرى كثيرة من “بلاد زايد الخير”، حيث الجود عنوان، والإنسانية دستور حياة.
