د.نادي شلقامي
نعم… سأرحل، لا لأنني تعبت من الحياة، بل لأنني تعبت من زمنٍ اختلطت فيه الفوضى بالحقيقة، وغاب فيه قول الحق حتى صار عملة نادرة، وأصبح الصمت أأمن من الصدق، وأخفّ وطأة من مواجهة الباطل. أيامٌ تمشي بلا بوصلة، تتقدّم فيها الأصوات العالية، وتتراجع القيم الهادئة التي كانت يومًا أساس الاستقرار.
سأرحل من أيامٍ يُدار فيها الخلاف بالسباب لا بالعقل، ويُختصر فيها الحق في مصلحة، ويُقاس فيها الصواب بميزان الهوى. فوضى في الكلام، وفوضى في المواقف، وفوضى في الضمائر، حتى صار الباطل جريئًا، والحق خجولًا يتوارى خلف الخوف والحسابات.
سأرحل حين أرى عقوق الوالدين لا يُستنكر، بل يُبرَّر ويُغلَّف بشعارات زائفة، كأن البرّ ضعف، وكأن الوفاء لتعب السنين صار عبئًا. أن ترى أمًا تُهمل بعد أن أفنت عمرها، وأبًا يُخاصَم بعد أن كان السند، فهذه ليست قسوة فقط، بل سقوط أخلاقي مؤلم.
سأرحل من بيوتٍ تسكنها الشكوك، حيث تشك الزوجة في زوجها قبل أن تسمع منه، ويشك الزوج في زوجته قبل أن يمنحها الثقة. بيوت تهتزّ بلا عاصفة، وتتفكك بلا سبب حقيقي، سوى أن القلوب لم تعد تتسع للحوار، وأن الظنون صارت أقوى من العِشرة والرحمة.
سأرحل حين يخون الصديق العيش والملح، وينسى أيام الجوع والضحك والحلم المشترك، ويبيع الرفقة عند أول مصلحة، أو أول خلاف. صداقة كانت تُقاس بالمواقف، صارت تُقاس اليوم بما تحققه من منفعة، فإذا انتهت المصلحة، انتهى الود.
سأرحل من جيرانٍ ينسون حق الجيرة عند أول هفوة، ويتحوّلون من سندٍ إلى خصم، ومن بابٍ مفتوح إلى جدارٍ بارد. كأن التسامح رفاهية، وكأن الخطأ الواحد يمحو سنوات من العِشرة والمعروف.
سأرحل حين أرى القريب يتنكر لتضحيات من وقف بجانبه وهو صغير، يوم كان يتكفف من الناس، ويحتاج إلى كلمة ولقمة وستر. ينسى من حمل عنه الهم، ومن مدّ له اليد، ومن حفظ كرامته في زمن العوز، وكأن الذاكرة تُمحى عندما تتبدل الأحوال.
نعم… سأرحل، لكن رحيلًا بلا ضجيج. سأرحل إلى مساحة أحتفظ فيها بما تبقّى من قيم، أُمسك فيها بالحق وإن كان ثقيلًا، وأبرّ فيها الوالدين وإن عقّ الجميع، وأؤمن فيها بأن الثقة أساس البيوت، وأن الوفاء هو ما يبقى حين تتساقط المصالح.
سأرحل لأن بعض الرحيل حفاظ، لا هروب، ولأن البقاء في زمنٍ بلا ملامح قد يكون خيانة للنفس. سأرحل، لعلّ الرحيل يكون صرخة صامتة تذكّر بأن ما ضاع من قيم… يمكن يومًا أن يعود.
