بقلم : أحمد رشدى
لم يكن الليل هو ما أخافني في البداية بل ذلك الشعور الغامض بأنني لست وحدي
رغم أن الشارع كان خاليًا تمامًا
القمر كان مكتملاً يسكب ضوءه الفضي على الأرصفة فيحوّلها إلى مرايا باردة تعكس أفكاري أكثر مما تعكس صورتي
كنت أسير متثاقلاً كأن قدمي تعرفان شيئًا تجهله روحي
لماذا اخترت هذا الطريق تحديدًا
ولماذا شعرت منذ الخطوة الأولى أنني أسير داخله لا خارجه
توقفت عند أول منعطف
المدينة التي أعرفها بدت مختلفة مبانيها أطول نوافذها أعمق
والظلال لا تلتصق بأصحابها كما ينبغي
ظلّي كان ممدودًا أمامي أكثر من اللازم
وحين تحركت تحرك قبلي
سؤال سخيف تسلل إلى رأسي
هل يمكن للظل أن يسبق صاحبه
جاء الصوت من الخلف
خطوة ثم صمت
خطوة أخرى أقرب
تساءلت إن كان الخوف يصنع أصواته الخاصة أم أن للأماكن ذاكرة تتحرك عندما نشيخ
التفت فلم أرَ أحدًا
لكنني شعرت بنفَس بارد يلامس عنقي
رائحة تراب قديم وأوراق محترقة
رائحة أشياء انتهت منذ زمن ولم تُدفن
تابعت السير أسرع
ثم أسرع
ثم ركضت
لم أكن أهرب من شخص بل من فكرة
فكرة أن هناك من يعرفني أكثر مما أعرف نفسي
دخلت الممر الطويل
بين صفين من البيوت المهجورة
الظلام هناك لم يكن غياب الضوء
بل حضور شيء آخر
شيء يراقب
ينتظر
يستمتع بالبطء
سمعت ضحكة خافتة
لم تكن سخرية بل شفقة
كأن أحدهم يضحك على طفل
يحاول الهرب من ظله
سألت بصوت مرتجف
من هناك
جاءني الرد من كل الجهات
نحن من تبقى منك
ظهرت الحركة عند نهاية الممر
هيئة غير واضحة
ملامح تتشكل ثم تذوب
عينان تلتقطان ضوء القمر كمرآتين مكسورتين
اقتربت
ومع كل خطوة شعرت أن ذكرياتي تنفلت
أشياء صغيرة كنت أظنها بلا قيمة
كلمات لم أقلها
مواقف هربت منها
ذنوب أقنعت نفسي أنها نُسيت
تذكرت أبي وهو يحذرني
ليس كل من نجا حيًا
بعضهم يترك جزءًا منه في الظلام
سقطت على ركبتي
لم أعد أستطيع الركض
سألت السؤال الذي كنت أؤجله منذ البداية
ماذا تريد
اقتربت الهيئة حتى صارت على بُعد نفس واحد
وقالت
نريدك كاملًا
إما أن تواجه ما تركته خلفك
أو تبقى هنا ظلًا يتجول كلما اكتمل القمر
انطفأ الضوء
غاب القمر
وشعرت بثقل هائل يطبق على صدري
ثم سكون
حين أفقت كان الصباح
كان الشارع نفسه
كانت المدينة نفسها
لكن شيئًا ما كان ناقصًا
الناس تمر بجواري دون أن تراني تمامًا
ينظرون ثم يشيحون كأنني فكرة غير مكتملة
عدت إلى بيتي
وجدت صورتي على الحائط
لكن عيني في الصورة كانتا فارغتين
وفي أسفل الإطار تاريخ قديم
تاريخ ليلة اكتمال القمر
الآن أفهم
أنا لست حيًا تمامًا
ولست ميتًا تمامًا
أنا سؤال يمشي في الشوارع
ومع كل اكتمال للقمر
أشعر بأن الظلام يناديني
ليس لأهرب
بل لأتذكر
من كنت
وما الذي تركته خلفي
وإن كنت أملك الشجاعة يومًا
لأستعيده.
