بقلم : عبد الحفيظ خليفة يونس
خلال أيام الحرب العراقية–الإيرانية، سألت صحيفة لوس أنجلوس هنري كيسنجر عن ماهية الاستراتيجية الأمريكية في تلك الحرب، فجاء جوابه صريحًا ومباشرًا: «استراتيجيتنا هي استنزاف الطرفين».
ذلك المنطق لم يتغيّر كثيرًا، بل أعيد إنتاجه بأشكال أكثر دهاءً. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وسقوط أبراج نيويورك، خرج منظّرو الاستراتيجية في الولايات المتحدة ليعلنوا أن «العالم الإسلامي انفجر في وجوهنا انفجارًا خارجيًا»، وأن الحل – من وجهة نظرهم – هو تحويل هذا الانفجار إلى الداخل، ليتمزق الجسد العربي والإسلامي من داخله، سياسيًا وفكريًا واجتماعيًا.
المؤلم حقًا أن كثيرًا من الأنظمة العربية وقعت، ولا تزال، في هذا الشَّرك، بل إن جزءًا من الشارع العربي نفسه انساق إليه بلا وعي ولا مساءلة، كقطيع يُساق إلى مصيره دون أن يسأل: إلى أين؟ ولماذا؟
وفي مفارقة فاضحة، نرى في هذه الحروب أن طائرات أمريكا وملاحيها – في الغالب – نساء شقراوات قادمات من مصانع هوليوود العسكرية، بينما لا تزال بعض بلداننا العربية، إلى اليوم، تناقش ما إذا كان صوت المرأة عورة، أو نشازًا، أو حرامًا!
وفي الوقت الذي يهرول فيه البعض نحو التطبيع، ويُروّج لشعارات فارغة تُقدَّم لشعوب حائرة، تُزرَع داخل مجتمع عربي متخلّف أصلًا عن ركب الحضارة ثقافيًا وصناعيًا، نجد آخرين لا يرون إلا ماضيًا منتهي الصلاحية، وكأن الزمن توقّف عنده، لا يتقدّم ولا يتغيّر.
وهكذا، ما زال العالم العربي عالقًا في فتاوى تُناقش أفخاذ النساء وخصورهن، ونقابهن وقماشهن، بدل أن يناقش العلم، والبحث، والاختراع، وبناء المستقبل.
هذا العبث الفكري والسياسي هو ما استفزّ قلمي وعقلي، ودفعني إلى كتابة هذا المقال، لا بوصفه صرخة غضب فحسب، بل محاولة لطرح سؤال مؤلم: متى نخرج من استنزاف العقول قبل أن نُستنزف إلى العدم؟
حين يُدار الخراب بعقولنا، لابجيوشهم
831
المقالة السابقة
