
بقلم: صلاح عثمان
في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتُختزل فيه الذكريات، يظل بعض الأشخاص علامات فارقة في الوجدان الجمعي، لا لأنهم كانوا نجومًا في سماء الفن فحسب، بل لأنهم حملوا في حضورهم اليومي بذور الإنسانية الصافية.
الأستاذ عمر الشاعر، أحد هؤلاء. فنانٌ سودانيٌ لم يكن مجرد ملحن أو مغنٍ، بل كان تجسيدًا حيًّا لفكرة أن الإبداع لا ينفصل عن البساطة، وأن الفن الحقيقي يسكن التفاصيل الصغيرة.
من المسرح إلى المائدة… صورة لا تُنسى
عرفته أولًا من خلال ألحانه، تلك التي كانت تُبث عبر الإذاعة والتلفاز، فتتسلل إلى القلب دون استئذان. ثم التقيته في أمسية احتفالية بحديقة الريفيرا، ضمن فعاليات ختام برنامج كلية الدراسات العليا بجامعة الجزيرة.
وقف على المسرح، وقدم فاصلًا غنائيًا ألهب مشاعر الحضور، وأثبت أن الفن حين يُقدَّم بصدق، يصبح طقسًا جماعيًا من الفرح.
لكن اللقاء الأعمق كان في كلية علوم الطيران بالخرطوم بحري، حيث كنت في زيارة مهنية. هناك، رأيته يحمل حزمة جرجير ويُعدّ صحن فول، في مشهدٍ بسيطٍ لكنه شديد الدلالة. دعاني لتناول الإفطار، وكان اللقاء مليئًا بالأحاديث المتشعبة، التي كشفت عن شخصية تجمع بين الطرافة والعمق، وبين الفن والحياة اليومية.
كان يرى في الجرجير داخل صحن الفول “تقنية” تستحق التأمل، وفي الأغنية وسيلة للبوح والتواصل، لا مجرد أداء.
أثره في الثقافة السودانية
امتد تأثيره إلى ما هو أبعد من الألحان. كان جزءًا من حركة ثقافية ترى في الفن وسيلة للتعبير عن الهوية، ولإعادة تشكيل الذاكرة الجمعية.
ساهم في إثراء المشهد الفني السوداني، وترك بصمات واضحة في وجدان من عرفوه، سواء من خلال أعماله أو حضوره الإنساني.
رحيله… وذاكرة لا تموت
رحل عمر الشاعر، لكن ذكراه لا تزال حيّة في قلوب من لمسوا دفء حضوره.
في الإسكندرية، ما يزال طبق الفول في وجبتنا النهارية يحمل أثره، وتظل حكاياته تُروى في جلسات الأصدقاء.
الإسكندرية 25 أغسطس
2025م