كتب… أحمد رشدى
بعد الفراق لا يبقى في القلب سوى صدى اللحظات وذكرى الوجوه التي غابت فجأة وكأنها لم تكن يوماً جزءاً من الروح يبدأ الإنسان رحلته في صمت مثقل بالألم يتساءل لماذا رحل من كان بالأمس أقرب من النفس ويتوه بين الذكريات التي تأبى أن ترحل معه يمر الليل طويلاً والأيام ثقيلة والضحكة غريبة على وجهه لكن بين هذا الحزن المتراكم توجد بداية جديدة تنتظر من يفتح لها الباب
الاكتئاب بعد الفراق ليس ضعفاً كما يظن البعض بل هو جرح عاطفي عميق يختبر قوة القلب وصبره فهو مزيج من الوحدة والحنين وفقدان الأمان وقد حذر الأطباء النفسيون من ترك النفس تغرق في هذا المستنقع دون مقاومة لأن الحزن حين يُطيل المقام يتحول إلى مرض يسرق طاقة الإنسان ويجعله أسيراً لذكريات انتهت
تروي “رحمة” في إحدى المقابلات أنها فقدت أمها في سن صغيرة فعاشت سنوات من الحيرة والضياع ظنت أن الزمن كفيل بعلاجها لكنه لم يفعل كانت تستيقظ كل صباح على صوت الفراغ وتشعر بأن الحياة بلا لون حتى عادت إلى الله ولجأت إلى القرآن فوجدت السكينة التي لم يمنحها إياها أحد قالت إنها لم تتعافَ إلا عندما أدركت أن الفراق امتحان وأن الدعاء باب النجاة الوحيد
العلماء والشيوخ أجمعوا على أن الفراق مهما كان مؤلماً فهو جزء من قدر الله الذي يحمل في طياته حكمة خفية قال الشيخ الشعراوي رحمه الله إن الله لا يأخذ منك إلا ليعطيك وإن الفقد قد يكون سبباً في يقظة القلب وعودته إلى الإيمان واليقين بالله بينما أكد الشيخ محمد متولي الشعراوي في تفسيره أن الحزن لا يُمنع لكنه لا يُترك ليهزم صاحبه بل يُروّض بالصبر والدعاء
أما علماء النفس فيرون أن الفراق يمر بمراحل متتالية تبدأ بالصدمة ثم الإنكار ثم الحزن وأخيراً التقبل وأن تجاوز تلك المراحل يحتاج إلى الوقت والدعم النفسي والاجتماعي يقول الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي إن الإنسان عندما يفقد من يحب يشعر أن جزءاً منه قد انكسر لكن عليه أن يتعلم كيف يعيش بالجزء الباقي فالقوة ليست في نسيان الراحلين بل في التعايش مع غيابهم دون أن ينهار
ويرى خبراء علم النفس الإيجابي أن أفضل طريق للخروج من الاكتئاب هو تحويل الألم إلى دافع للنجاح وأن من يتصالح مع الفقد يصبح أكثر نضجاً ورحمة بالحياة والناس فالفراق لا يجب أن يكون نهاية بل درساً يفتح أبواباً جديدة للنضج الروحي والعاطفي
ويؤكد العلماء والدعاة أن ذكر الله هو أعظم علاج للحزن لقوله تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب فكل من تعلق بالله خفّ حزنه ووجد في قلبه نوراً يعينه على تجاوز المِحن فكم من حزين وجد في الصلاة دواء وكم من فاقد وجد في الدعاء راحة لم يجدها في البشر
ما بعد الفراق مرحلة صعبة لكنها ليست مستحيلة فهناك من انهار ولم ينهض وهناك من بكى ثم قام ليكمل طريقه بإيمان أقوى من قبل الحياة لا تتوقف عند من رحل بل تبدأ من جديد في كل فجر وكل دعاء وكل خطوة نحو الشفاء من اختار أن يعيش بالأمل خرج من ظلمة الاكتئاب إلى نور الرضا واليقين
