بقلم السيد عيد
في قهوة “الكرنك”، حيث يتصاعد بخار الشاي كأنه حنين قديم، ويختلط دخان الشيشة بحكايات الزمان، كان سي السيد جالسًا في ركنه المعتاد، يطالع الجريدة بعينٍ فيها تعب العُمر أكثر من فضول القراءة.
دخل عبد الموجود بخطواتٍ واثقة كمن يأتي بفلسفة جديدة للعالم، جلس، وسحب نفسًا من شيشته، وقال بنبرةٍ ما بين المزاح والفضول:
عبد الموجود: مالك يا سي السيد؟ وشّك فيه ملامح اللي سامح الدنيا بالعافية!
سي السيد (متنهّد): سامحت يا عبد الموجود… سامحت الكل. اللي ظلمني، واللي وجّعني، واللي فاكر نفسه ناسي. بس مش سامحت من طيبة… سامحت من تعب.
عبد الموجود (ضاحك): يا راجل! التسامح فضيلة، مش تعب.
سي السيد: كان فضيلة لما الناس كانت عندها ضمير… دلوقتي بقى وسيلة للنجاة.
بنسامح مش حبًّا في الخير، لأ… عشان الضغط ما يعلاش، وعشان نحافظ على الكبد من الحقد، والمعدة من القلق!
عبد الموجود (بابتسامة): بس العفو عند المقدرة، يا راجل، ده حديث شريف.
سي السيد: والله حديث شريف فعلاً، بس إحنا بقينا نسامح وإحنا مش قادرين أصلاً.
يعني العفو عند “اللا مقدرة”!
سامحنا مش لأننا كبار… لكن لأننا تعبنا من الحروب الصغيرة اللي جوّه القلب.
عبد الموجود (محاولًا الفلسفة): يعني التسامح ضعف؟
سي السيد: لأ يا عبد الموجود… التسامح مش ضعف، بس لازم ليه حدود.
العفو الحلو اللي يطهّر القلب، مش اللي يفرمه.
سامح، بس متنساش… ابتسم، بس خليك صاحي… وافتح بابك، بس خليه على سِكّارة.
عبد الموجود (ضاحك): يعني نسامح بالعقل؟
سي السيد (مبتسم بهدوء الحكيم): نسامح بالقلب، بس بعد ما نستأذن الكرامة.
مش كل اللي يقول “أنا آسف” يستحق يرجع، ومش كل اللي يضحكلك نوى الخير.
عبد الموجود (ساخرًا): والله يا سي السيد، لو كتبت الكلام ده في كتاب، تسميه “فن التسامح للناجين من الزعل”!
سي السيد (ضاحك): أيوه يا خويا، لأن اللي بيسامح النهارده مش ملاك… ده إنسان تعب من الوجع، فاختار السلام بدل الصراع.
ثم صمت لحظة، نظر في كوب الشاي كأنه بيقرأ فيه سرّ الحياة، وقال بصوتٍ هادئٍ كأنه يختم وصية عمره:
“التسامح مش إنك تنسى اللي وجّعك… التسامح إنك تبطّل توجّع نفسك بيه.”
وساد الصمت، حتى الشيشة كفّت عن الدخان، كأنها فهمت الدرس متأخرة…
