بقلم : أحمد رشدي
لم تكن المشكلة أن العقل الخفي سيطر
المشكلة الحقيقية أنه بدأ يتصرّف
وكأنه يعرف أشياء لم أعشها أصلًا
استيقظت ذات صباح
وأنا أجد على هاتفي رسالة مرسلة من رقمي
إلى رقمٍ مجهول
نصّها كان قصيرًا ومخيفًا
لا تذهب اليوم إلى العمل
تجاهلتها في البداية
واعتبرتها مزحة ثقيلة من ذهني المرهق
لكن شيئًا داخلي كان واثقًا على نحو مزعج
أن الرسالة لم تكن عبثًا.
وحين فتحت الأخبار بعد ساعات وجدت حادثًا مروّعًا
في المبنى ذاته الذي أعمل به
انفجار غامض
ضحايا لم تُعرف أسماؤهم بعد
في تلك اللحظة فهمت أن العقل الخفي
لم يعد يحميني فقط
بل يرى المستقبل
بدأت الظواهر تتسارع
أستيقظ لأجد ملاحظات بخطّي
لا أذكر أنني كتبتها
مواعيد
أسماء
تحذيرات
وأحيانًا اعتذارات لأشخاص لم أقابلهم بعد.
الأدهى من ذلك أنني
بدأت أفقد الاحساس بالزمن.
أيام كاملة تمرّ ولا أملك عنها ذكرى واحدة
يسألني الناس عن حوارات لم أشارك فيها
قرارات لم أتخذها
وابتسامات لم أشعر بها
كنت أعيش حياتين
إحداهما لي
والأخرى له
في إحدى الليالي
سمعت طرقًا على باب الشقة
حين فتحته وجدت رجلًا يشبهني
إلى حدٍ يبعث على الغثيان
نفس الملامح ، نفس الصوت
لكن عيناه كانتا خاليتين من أي تردد
قال بهدوء قاتل
تأخرت كثيرًا
كان يجب أن نلتقي منذ البداية
فهمت حينها الحقيقة الأكثر رعبًا
العقل الخفي ليس فكرة
ولا آلية دفاع
بل كيان واعٍ
يتشكّل من كل قرار جبان
وكل خوف مؤجل
وكل مرة اخترت فيها النجاة ،
بدلا من المواجهة
قال لي إن وجودنا معًا مستحيل
وإن أحدنا يجب أن يختفي
لا بالموت
بل بالنسيان.
شعرت فجأة بذكرياتي تتآكل
وجوه أحببتها تتلاشى
أسماء أعرفها تتبخر
بينما هو يزداد وضوحًا وثباتًا
قبل أن يغادر
ترك لي جملة واحدة
ستفهمها حين لا تتذكر لماذا تخاف
وأنا أكتب هذه الكلمات الآن
لا أعرف لماذا ترتعش يدي
ولا أعرف سبب هذا القلق الغامض
لكنني متأكد من شيء واحد
إذا قرأت هذه القصة
وشعرت أن
ها تشبهك
أكثر مما ينبغي
فاطمئن
لقد بدأ عقلُك الخفي بالاستيقاظ.
