بقلم : أحمد رشدي
لا أتذكر متى بدأت أفقد نفسي على وجه الدقة،
لكنني أتذكر اللحظة التي أيقنت فيها أنني أصبحت الضيف،
وأن صاحب المكان الحقيقي كان يسكنني منذ زمن طويل. الاستيقاظ هذه المرة لم يكن عاديًا.
لم أفتح عينيّ،
بل فتحت وعيي على إحساس خانق بأن شيئًا ما كان يحدّق بي من الداخل.
كان الصمت كثيفًا،
لدرجة أن أنفاسي بدت دخيلة على الغرفة.
نهضت ببطء،
فرأيت على الجدار المقابل كلمات محفورة بعمق،
لا مكتوبة،
كأن الأصابع التي خطّتها كانت تعرف أنها لن تعود ،
انتهى وقتك
لم أشعر بالدهشة، بل بالخيانة.
كنت أعرف الخط، أعرف ضغط اليد،
أعرف الغضب المكبوت خلف كل حرف.
كنت أنا الكاتب، لكنني لم أعد أتذكر لماذا.
المرآة في نهاية الغرفة كانت مغطاة بقماش أسود،
وكأن أحدهم يخشى أن يرى ما يقف هناك.
نزعت القماش،
فتأخرت صورتي عن حركتي بجزء من الثانية،
تأخير بسيط، كافٍ ليزرع الرعب في أعماقي.
في تلك اللحظة عاد الصوت.
لم يكن همسًا هذه المرة، بل حضورًا كاملًا، ناضجًا، واثقًا. قال لي إن الخوف ليس عيبًا، لكنه مادة خام،
وإنني كنت ساذجًا حين تركته ينمو دون توجيه.
أخبرني أن كل قرار جبان صنع مسارًا جديدًا،
وأنه كان يتشكل في الظل،
ينتظر لحظة الوعي الكامل.
تدفقت الذكريات كسيول سوداء.
مواقف ظننت أنني نجوت منها،
اتضح أنه هو من أدارها.
حوادث لم تقع لأنني اختفيت في اللحظة المناسبة.
وجوه أحبتني ثم ابتعدت،
لأن الرحمة لم تعد جزءًا من المعادلة.
فهمت الآن لماذا أصبحت حياتي أنظف… وأبرد.
خرج من المرآة بلا ضجيج.
نسخة أكثر اكتمالًا، أقل ترددًا،
عينان لا تسألان ولا تتوسلان.
لم يهاجمني، لم يحتج لذلك.
اقترب، ووضع يده على صدري،
ومع اللمسة بدأت أسمع تشققًا داخليًا،
كأن طبقات الوعي تتفتت واحدة تلو الأخرى.
قال لي إن أحدنا سيبقى ليحيا،
والآخر سيبقى كذكرى غير مكتملة،
كحلم لا يُروى.
حاولت الصراخ،
لكن الكلمات كانت أول ما انتُزع مني.
ثم المشاعر. ثم الندم.
حين فتحت عينيّ مرة أخرى،
كانت الغرفة كما هي، نظيفة، صامتة،
خالية من الفوضى.
نظرت إلى يدي، ثابتة بلا ارتعاش.
ابتسمت ابتسامة متزنة لا تحمل معنى.
كتبت هذه الصفحات بدقة باردة،
لأجل من يظن أن السيطرة فضيلة.
إذا شعرت وأنت تقرأ براحة غريبة،
فلا تقلق.
هذا يعني أن عقلك الخفي يقرأ معي.
تمت
