بقلم : أحمد رشدي
لم تكن المجتمعات يومًا تُقاس بقوة اقتصادها وحده، ولا بارتفاع مبانيها أو اتساع طرقها،
بل كانت تُقاس قبل ذلك بروح الود التي تسكن بين أفرادها، وبدرجة الألفة التي تجمع الأسرة، وبمناخ الرحمة والاحترام الذي يحكم العلاقات بين الناس في العمل والشارع والبيت.
فحيثما ساد الود، استقرت النفوس، وحيثما غاب، بدأ التآكل الصامت الذي لا تُسمعه الأذن، لكن تراه العيون في كل تفاصيل الحياة.
إن الأسرة هي النواة الأولى لهذا الود. داخل البيت تتشكل المشاعر، وتُبنى الشخصيات، ويُزرع الإحساس بالانتماء.
وحين يغيب الحوار، وتخبو المودة، ويتحول البيت إلى مجرد مكان للنوم والعبور، تتسلل القسوة دون أن نشعر. كلمات جافة، نظرات غاضبة، صمت طويل… كلها تفاصيل صغيرة، لكنها تصنع فجوة كبيرة بين القلوب.
ومن بيتٍ بلا دفء، يخرج فردٌ مثقل بالوحدة، عاجز عن منح المحبة للآخرين.
ولا تختلف بيئة العمل كثيرًا عن الأسرة في حاجتها إلى روح الود. فالمؤسسات لا تنهض فقط باللوائح والقوانين، بل بعلاقات إنسانية سوية بين الزملاء.
حين يسود الاحترام والتعاون، يتحول العمل إلى مساحة للإبداع والعطاء. أما حين تنتشر الغيرة، والسخرية، والتنمر، وتصيد الأخطاء، يصبح العمل عبئًا ثقيلًا، وتضيع الطاقات في صراعات جانبية لا طائل منها.
بيئة عمل مسمومة لا تقتل الإنتاج فحسب، بل تقتل الإنسان من الداخل، وتطفئ شغفه، وتدفعه إلى العزلة أو العدوان.
وفي المجتمع الأوسع، بين الجيران والناس في الشارع، تتجلى الصورة بشكل أوضح. كلمة طيبة تُلقي السلام في القلب، ونظرة احترام تزرع الطمأنينة، وموقف رحيم يعيد الثقة في البشر. وعلى النقيض، فإن السخرية، والكراهية، والعنف اللفظي أو السلوكي، والتنمر بأشكاله المختلفة، لا تمر مرور الكرام. إنها تترك ندوبًا نفسية، وتخلق حالة عامة من التوجس والخوف، وتحوّل المجتمع إلى ساحة توتر دائم.
إن أخطر ما في المشاعر السلبية أنها لا تبقى حبيسة أصحابها، بل تنتقل كالعدوى. غضب في البيت ينتقل إلى الشارع، وتوتر في العمل يُحمل إلى الأسرة، وسخرية في المجتمع تُعيد إنتاج العنف بأشكال أكثر قسوة. وهكذا ندخل دائرة مغلقة، تتآكل فيها العلاقات، ويضعف فيها النسيج الاجتماعي، دون أن نشعر بأننا جميعًا شركاء في هذا التآكل.
وليس خافيًا أن الدول لا تنهض بالموارد وحدها، مهما عظمت إمكانياتها، بل تنهض بتضافر الجهود، وبوجود حد أدنى من الثقة والانسجام بين أبناء الشعب الواحد.
لا يمكن لوطن أن يتقدم وأفراده متنافرون، ولا لمجتمع أن يزدهر وأبناؤه يحملون الضغينة بدل الرحمة، والسخرية بدل الاحترام، والعنف بدل الحوار.
إن الود والألفة والمحبة ليست شعارات عاطفية، بل ضرورات اجتماعية وأمنية وتنموية. بها تُحل الخلافات قبل أن تتفاقم، وبها يُحتوى الغضب قبل أن ينفجر، وبها يشعر الإنسان أنه جزء من كيان أكبر يحميه ويقدّره. والتسامح ليس ضعفًا، بل قوة أخلاقية راقية، والسلام ليس استسلامًا، بل وعيٌ بأن البناء لا يتم إلا في مناخ آمن ومستقر.
حين يسود الود بين أفراد الأسرة، ويعم الاحترام بين الزملاء، وتنتشر المحبة بين الجيران والناس، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر استعدادًا للنهوض. فالأمم التي تعيش في سلام داخلي، وتؤمن بقيمة الإنسان، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل
يستحق أن يُعاش.
