خذني معك

 

بقلم دارين عوض

الريح التي هبت مساءً كانت حكايتي الوحيدة. كانت تحمل رائحة التراب بعد المطر، وتختلط بعبق الياسمين الذي يطل من شرفة الجيران. جلستُ على الدرج الحجري أمام منزلنا، أراقب الشمس وهي تغرب، وتصبغ السماء بألوان لم أرها في لوحة فنان من قبل. كان قلبي يئن، يشتكي من ثقل الفراق الذي كان وشيكًا.

كنتَ هناك، تحزم حقائبك بهدوء. صوت إغلاق السحّابات كان يمزق سكون المساء. كل قطعة ملابس تطويها كانت تذكرني بأن المسافة بيننا ستتسع، وأنك ستصبح ذكرى بعيدة. تمنيتُ لو أنني أستطيع أن أطوي المسافة مثلما تفعل أنت، أن أضعها في حقيبتي وأحتفظ بها قريبة مني.

نظرتُ إليك، بعينين تائهتين. لم أكن أجرؤ على الكلام، خشية أن يختنق صوتي بالدموع. لكن نظراتي كانت تصرخ: خذني معك. خذني إلى عالمك الجديد، إلى شوارعه الغريبة، إلى أناس لا أعرفهم. خذني لأتنفس معك هواءً مختلفًا، لأرى معك شمسًا تشرق في مكان آخر.

رفعتَ رأسك ونظرتَ إليّ. ابتسامتك كانت حزينة، وكأنها تقول “أعرف ما تفكر فيه”. اقتربتَ مني وجلستَ بجانبي. لم تقل شيئًا، فقط مسكتَ يدي بقوة. كانت يداك دافئة، ودفؤها سرى إلى قلبي البارد.

أخيرًا، نطقتُ بكلماتي الثلاث: “خذني معك.”

تنهدتَ بصوت عميق، وابتسامتك لم تعد حزينة، بل أصبحت حنونة. قلتَ بصوت خافت: “لا أستطيع أن آخذك معي جسدًا، ولكنني سأخذك معي روحًا. كل مكان سأزوره، سأرى عينيك فيه. كل حلم سأحققه، سأحمله في قلبي من أجلك.”

لم يكن الجواب الذي تمنيته، ولكنه كان كافيًا. كان وعدًا. عندما ذهبتَ، لم أعد أرى غروب الشمس بنفس الطريقة. أصبحت أرى فيه أملًا، وأصبحت أتخيل أن الشمس التي تغرب من عندي تشرق عندك.

ومع كل ريح تهب، أغمض عينيّ وأشعر بها وكأنها تحملني إليك، وتهمس لي: “أنا معك.”

Related Posts

انسلاخ

سعاد الورفلي انسلاخ كسلحفاة كـ كـ باطن قدمها الإسفنجية تحثو الماء على خصلاتها بياض يغلف المكان  بخار بخار  يتساقط الندى على النوافذ  بخار بخار  والسلحفاة تزحف بهدوء نحو العشب عارية  …

سَأَظَلُّ…وَحِيدًا…فِي طَرِيقِي…

كتب د. نادي شلقامي لا..لن تقطفي وردة من حدائقي .. ولن تشتمي رائحة الفل… والريحان…. لا…لن تعبري حواجز حبي ولن.. تسيري في طريق أناره.. لي الرحمن… لا..لن تركبي في مركبي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *