بقلم أحمد رشدي
لم يكن البعد عنك مجرد مسافة تُقاس بالخطوات
كان ظلاً ثقيلاً يمتد بين قلبي وقلبي
كأنني أحاول أن أبتعد عن نفسي
لا عنك أنت.
سافرت
ليس لأن السفر يمنح الرجال قوة
بل لأنني ظننت أن الهروب سيمنحني نجاة
وأن الطرق الطويلة قادرة على طمس ملامحك
وتخفيف نارك التي تركتها معلّقة في صدري
كما يترك المسافر مصباحه الأخير
يضيء خلف نافذة بعيدة
غيّرت المدن
وتنقلت بين الشوارع كغريب
يبحث عن معنى
كنت أُحدّث نفسي كل ليلة
أن الرجولة تعني القدرة على النسيان
وأن القلب لا ينهزم
إلا إذا سمح لنفسه بذلك
وأن الفراق صفحة تُطوى إذا ضاقت السطور
لكن الحقيقة كانت مختلفة
فكل طريق مضيت فيه
كان يذكّرني بما حاولت منه الهروب
وكل ليلة طويلة
كانت تعيد ترتيب صورتك في داخلي
حتى لكأن المسافات تتآمر لتقرّبك
بدلاً من أن تُبعدك
كنت أهرب
وأُقسم أنني لن ألتفت
وأن رجلاً مثلي لا يضعف أمام ذكرى
ولا يُسلم قلبه لغياب
لكن القلب يملك منطقه الخاص
لا يعترف بالحزم
ولا بفلسفة النسيان
ولا بما يقال عن صلابة الرجال
وفي اللحظة التي ظننت فيها أنني تعافيت
عاد صوتك
عاد دفء يديك
عادت التفاصيل الصغيرة التي
خبأتها في صدري
وعاد معها كل ما حاولت أن أدفنه
تحت تراب الأيام
تذكرتك
كما يتذكر الرجل آخر مكان شعر فيه أنه حي
وتذكرت أنني حين ابتعدت
لم أتركك أنت
بل تركت جزءاً مني يمشي فيك
ويعود إليّ كلما هدأ الليل
وحين طال الطريق عليّ
وحين حسبت أنني عبرت كل الجسور
اكتشفت أن قلبي ما زال واقفاً
عند أول خطوة
ينتظرني بصبر رجل يعرف
أنه لا يملك إلا حقيقته
وفي النهاية
بعد كل المسافات التي صنعتها بيدي
بعد كل المدن التي شهدت هروبي
بعد كل الأيام التي حاولت فيها أن أتقن الصلابة
لقد انتصرت علي قلبي أخيراً…
…ولكن عاودني الحنين.

1 تعليق
جميله جدا جدا و ذكرتني باشياء سابقة و أحيت ذكريات جميلة
لك مني فائق الاحترام والتقدير كاتبنا الجميل المحترم