بقلم : أحمد رشدي
كان رجلاً
تعبت روحه من صخبٍ لا يشبهه،
ومن زمنٍ يمرّ عليه
كأنه يمتحنه في كل خطوة.
ثار على عالمٍ لم يُنصف ضعفه،
ولا سامح شغفه،
ولا أعطى لحزنه مأوى
يحتمي فيه من الريح.
ثار على حبٍّ أرهقه الوعد،
وأجهده الانتظار،
ثم تركه واقفاً
على أطلال كلمةٍ لم تُقل،
وعلى حافة قلبٍ
ما زال ينبض
رغم كل ما كُسر فيه.
وفي عزّ ذلك الانكسار
لم يجد إلا القلم،
يمدّ إليه يده
كأنهما صديقان قديمان،
كأن القلم يعرف ما خفي في صدره،
وكأن الورق وحده
يفهم تلك الفوضى التي لا تُروى.
قبض عليه
كما يقبض الغريق على خشبة نجاة،
وكتب…
كتب الحزن
كأنه ينسخ ظلاله على ضوءٍ بعيد،
وكتب الشجن
كأنه يلمس نبضه بإصبعه،
وكتب الألم
الذي لم يجرؤ أن ينطق به لأحد،
فانسابت الكلمات من أعماقه
كسيلٍ هارب
من جبلٍ طويل البكاء.
ومع كل حرف
كان يشعر أن شيئاً منه ينكسر،
وشيئاً آخر يولد،
وكأن الكتابة جراحة خفية
تزيل ما تعفّن في الروح،
وتترك مكانه ندبة
تذكّره بأنه ما زال حياً.
كان يكتب
كمن يستعيد نفسه
بعد معركة خاسرة،
كمن يعترف للعالم ولذاته
أنه لم يُخلق ليُهزم،
بل ليحترق…
ويكمل الطريق.
….
وفي الأيام التالية
اشتدّ القلب ألماً وحكمة.
أمسك القلم من جديد،
ولكن هذه المرة
لم يكن يكتب ليهرب،
بل ليواجه.
كتب خيباته واحدةً واحدة
كأنه يجرّدها من قوتها،
وكتب خسارته للحب
كمن يدفن قلبه بيده،
ثم يقف واقفاً
يودّع ما تبقّى منه
دون دمعة.
كتب عن أحلامٍ
صنعت له أجنحة،
ثم كسرتها الريح.
كتب عن ليالٍ طويلة
كان يضع فيها رأسه على وسادته،
فيعلو الصمت فوق صدره
كجبل لا يُزاح.
كتب خوفه،
وحيرته،
وأسئلته التي لم تجد
أرضاً تستقر عليها.
وكتب ذلك العناد العميق
الذي يجعله يعود في كل مرة
إلى الورق
ليبحث عن نفسه
بين السطور.
كان الثائر الذي لا يملك إلا القلم
يقاتل بجسدٍ منهك،
وروحٍ مجروحة،
وفمٍ يصمت أكثر مما ينطق.
لكن قلمه
كان أشدّ صوته،
وأصدق ملامحه.
به واجه العالم،
وبه واجه جرحه،
وبه واجه آخر ما تبقّى
من قلبه.
—
وعندما انتهت الحكاية
لم ينتصر،
ولم ينهزم،
بل وقف بين الاثنين
كمَن يعرف أن الحياة
لم تُخلق كي تواسي أحداً.
نظر إلى القلم في يده
كأنه ينظر إلى آخر ما تبقّى
من روحه،
ثم تنفّس بعمق
يشبه البكاء دون صوت،
وقال لنفسه:
كلُّ شيء يمكن أن يتركني…
إلا هذا النزيف الذي يسكن الكلمات.
فأدرك أخيراً
أنه لم يكن ثائراً على العالم فقط،
بل كان ثائراً على جرحه،
وعلى قلبه،
وعلى نفسه.
وأن كل ما كتبه
لم يكن شفاءً،
بل اعترافاً
بوجعٍ لا ينتهي.
وبقي القلم في النهاية
الشاهدَ الوحيد
على رجلٍ
حارب الدنيا كلّها…
وخرج منها
ثائراً
لا يملك
إلا القلم.
