محمد غريب
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه ملامح الحياة بشكل يومي، يظل الإنسان عالقًا بين عالمين؛ عالم الواقع الذي يفرض عليه التزامات ومسؤوليات لا تنتهي، وعالم الخيال الذي يهرب إليه بحثًا عن مساحة آمنة تمنحه راحة مؤقتة. وبين هذين الخطين، يقف الحب والعاطفة كأقوى ما يميز التجربة الإنسانية.
فرغم التطور التكنولوجي واتساع دوائر التواصل، ما زال الفرد يشعر بوحدة داخلية تدفعه للبحث عن مشاعر حقيقية تتجاوز الشاشات. هنا يظهر الحب كقيمة دافئة، تُعيد للإنسان بعضًا من روحه، وتذكّره أن خلف كل صراع يومي، هناك قلب ينتظر لحظة صدق.
ويرى خبراء علم النفس أن الإنسان يلجأ للخيال ليس هروبًا، بل «محاولة لإعادة ضبط مشاعره»، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها كثيرون. فالخيال يمنح مساحة للتنفس، بينما تمنح العاطفة القدرة على الصمود.
ويؤكد مختصون في العلاقات الإنسانية أن التوازن بين الواقع والخيال ضرورة، فالمشاعر الصادقة لا تُبنى على حلم كامل ولا على حقيقة قاسية، بل على مساحة وسط تجمع بين الاثنين. فالحب لا يزدهر دون خيال، ولا يستمر دون واقع.
ومع ذلك، تظل الحقيقة الأكثر قسوة أن كثيرين يتعلمون دروس الحب بالطريقة الأصعب. فكلما حاول الإنسان أن يتمسك بعاطفته، اصطدم بجدار واقع لا يرحم، وكلما لجأ إلى الخيال بحثًا عن أمان، وجد نفسه يعود مُثقلًا بخيبة أخرى. وهنا يدرك أن ما بين القلب والعالم فجوة لا يراها إلا من تألم.
وفي النهاية، يبقى الإنسان يدور في حلقة لا تنتهي؛ يحاول أن يتعلق بشيء ينقذه، بينما الأشياء من حوله تتغير أسرع من قلبه. يمضي وهو يحمل في داخله ذكريات لم تكتمل، ومشاعر لم تجد طريقها، وأحلامًا كان يظن أنها أقرب مما هي عليه.
قد يربح الواقع معاركه، وقد ينهزم الخيال مرات، لكن الخسارة الأكبر هي حين يكتشف الإنسان أن الحب الذي ظنّه طوق النجاة، لم يكن إلا موجة عابرة تركت ألمًا أطول من وجودها.
وفي المسافة بين ما نعيشه وما نتمنى… يسقط جزء منّا لا يعود.
