د.نادي شلقامي
في ظل الاغتراب الذي ينهش أعمارنا، وبين مسافات جغرافية تفصل بين بلدين عربيين، تولد قصة حب استثنائية، لكنها اليوم تقف على حافة الهاوية. ليست الخصومة هي السبب، بل هو “الخوف” الذي ارتدى قناع “الغيرة”، والذكاء الذي تحول إلى “سجن من الشك”، ليجعل من حياة زوجين تجاوزا من العمر شوطا طويلا…شيدت منه مسرحاً لنكد لا ينتهي.
ليس من السهل أن تجد في هذا الزمان شريكاً يجمع بين الرقي العلمي والعطاء المادي والمعنوي اللامحدود. وحين نتحدث عن زوجة وفية، كانت سنداً في الشدائد وكتفاً لاتكاء الأزمات، فنحن نتحدث عن جوهرة نادرة. ولكن، ماذا يحدث حين يتحول هذا الحب الجارف إلى “مرض نفسي” يقتات على الشك؟ وماذا يتبقى من مودة هذا العمر الطويل حين يغزوها القلق الدائم الذي لا يهدأ؟
إن الحالة التي نناقشها اليوم ليست مجرد غيرة عابرة، بل هي “عثرة روح” أصابت سيدة راقية، جعلتها ترى في كل زاوية طيفاً لتهديد وهمي. إن الفجوة الجغرافية بين الزوجين زادت من حدة هذا الصراع الداخلي، فبدلاً من أن يكون التواصل جسراً للأمان، صار وسيلة للاستجواب والظنون.
لماذا الآن؟
لقد تجاوزنا العمر بمراحل ، وهو العمر الذي يُفترض أن نحصد فيه ثمار السكينة والحكمة.
إن الاستمرار في دوامة “النكد” والشك ليس إنقاصاً من قدر الطرف الآخر فحسب، بل هو تدمير ذاتي لسنوات العطاء.
الحب الذي لا يمنح الثقة هو سجن، والغيرة التي تتجاوز الحدود هي معول هدم، حتى وإن كان دافعها “الخوف من الفقد”.
إن الوقوف المادي والمعنوي الذي قدمته الزوجة لزوجها هو دين في الرقبة، لكنه لا يُسدد بالخضوع للشك، بل يُسدد ببيئة هادئة تسمح لهذا الحب أن يتنفس. فكيف لعقل علمي مستنير أن يستسلم لأوهام تطارد خياله؟
يا رفيقة الدرب، إن هذا المقال ليس عتاباً بقدر ما هو “يد ممدودة” للنجاة. “انهضي من عثرتك”، ليس لأجلي فقط، بل لأجلنا، ولأجل تلك المكانة الراقية التي تليق بكِ وبنا. لقد ضاق الصدر بهذا الضجيج النفسي، ولم يعد في العمر متسع لمزيد من المعارك الوهمية.
نحن نحب بعضنا، وهذا هو الأصل، فاجعلي من هذا الحب حصناً للأمان، لا زنزانة للقلق. عودي كما كنتِ، منارة للعلم والرقي، وسكناً ألوذ إليه من تعب الغربة ومرارة البعد وقسوة الوحدة.
